التنظير الثاني لما كان مسبوقا بإفادة ان اللّه هو المفيض بالنعم على عباده ولا يغيرها إلّا عن تغييرهم ما بأنفسهم ، وهذا شأن الرب بالنسبة إلى عبيده اقتضى ذلك ان يعد هؤلاء عبيدة غير جارين على صراط عبودية ربهم ولذلك غيّر بعض سياق التنظيم فقال في الثاني
« كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ »
وقد كان بحذائه في الأول قوله :
« كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ »
ولذلك التفت هاهنا من الغيبة إلى التكلم مع الغير فقال :
« فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ »
للدلالة على أنه سبحانه هو ربهم وهو مهلكهم ، وقد أخذ المتكلم مع الغير للدلالة على عظمة الشأن وجلالة المقام ، وان له وسائط يعملون بأمره ويجرون بمشيته .
وقوله :
وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ
أظهر المفعول ولم يقل : وأغرقناهم ليؤمن الالتباس برجوع الضمير إلى آل فرعون والذين من قبلهم جميعا .
وقوله تعالى :
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ
أي جميع هؤلاء الذين أخذهم العذاب الإلهي من كفار قريش وآل فرعون والذين من قبلهم كانوا ظالمين في جنب اللّه .
وفيه بيان ان اللّه سبحانه لا يأخذ بعقابه الشديد أحدا ، ولا يبدل نعمته على أحد نقمة إلّا إذا كان ظالما ظلما يبدل نعمة اللّه كفرا بآياته فهو لا يعذب بعذابه إلّا مستحقه « 1 » .
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 66 ]
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 )
هامش
( 1 ) . الأنفال 41 - 54 : بحث روائي في : الخمس ؛ يوم الفرقان .