أنفسهم ، ولا يسلبونها ولا تتبدل بهم نقمة وعقابا إلّا لتغييرهم ما بأنفسهم من الاستعداد وملاك الإفاضة وتلبسهم باستعداد العقاب .
وهذا ضابط كلي في تبدل النعمة إلى النقمة والعقاب ، وأجمع منه قوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
( الرعد / 11 ) وإن كان ظاهره اظهر انطباقا على تبدل النعمة إلى النقمة .
وكيف كان فقوله :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً »
الخ ؛ من قبيل التعليل بأمر عام وتطبيقه على مورده الخاص أي اخذ مشركي قريش بذنوبهم ، وعقابهم بهذا العقاب الشديد ، وتبديل نعمة اللّه عليهم عقابا شديدا إنما هو فرع من فروع سنّة جارية إلهية هي ان اللّه لا يغير نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم .
وقوله :
وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
تعليل آخر بعد التعليل بقوله :
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً »
وظاهره - بمقتضى إشعار السياق - ان المراد به : وذلك بأن اللّه سميع لدعواتكم عليم بحاجاتكم سمع استغاثتكم وعلم بحاجتكم فاستجاب لكم فعذب أعداءكم الكافرين بآيات اللّه ، ويحتمل أن يكون المراد : ذلك بأن اللّه سميع لأقوالهم عليم بأفعالهم فعذبهم على ذلك ، ويمكن الجمع بين المحتملين .
قوله تعالى :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ
الخ ؛ كرر التنظير السابق لمشابهة الفرض مع ما تقدم فقوله
« كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ »
الخ ؛ السابق تنظير لقوله :
« ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ »
كما أن قوله :
« كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ
- إلى قوله -
وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ »
ثانيا تنظير لقوله
« ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً »
الخ .
غير أن التنظير الثاني يشتمل على نوع من الالتفات في قوله :
« فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ »
وقد وقع بحذائه في التنظير الأول
« فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ »
من غير التفات ولعل الوجه فيه ان