ذلك باعتبار اخذها في نفسها مفردة عن السياق ، والباحث الناقد لا يعوز عليه تمييز ذلك واللّه الهادي .
قوله تعالى :
وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
إلى آخر الآية ؛ الاستضعاف عدّ الشيء ضعيفا بتوهين امره ، والتخطف والخطف والاختطاف أخذ الشيء بسرعة انتزاع ، والإيواء جعل الانسان ذا مأوى ومسكن يرجع اليه ويأوى ، والتأييد من الأيد وهو القوّة .
والسياق يدل على أن المراد بقوله :
« إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ »
الزمان الذي كان المسلمون محصورين بمكة قبل الهجرة وهم قليل مستضعفون ، وبقوله :
« تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ »
مشركوا العرب وصناديد قريش ، وبقوله :
« فَآواكُمْ »
أي بالمدينة ، وبقوله :
« وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ »
ما اسبغ عليهم من نعمة النصر ببدر ، وبقوله :
« وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ »
ما رزقهم من الغنائم وأحلها لهم .
وما عده في الآية من أحوال المؤمنين ومننه عليهم بالإيواء وإن كانت مما يختص بالمهاجرين منهم دون الأنصار إلّا ان المراد الامتنان على جميعهم من المهاجرين والأنصار فإنهم أمة واحدة يوحدهم دين واحد . على أن فيما ذكره اللّه في الآية من مننه التأييد بالنصر والرزق من الطيبات وهما يعمان الجميع ، هذا بحسب ما تقتضيه الآية من حيث وقوعها في سياق آيات بدر ، ولكن هي وحدها وباعتبار نفسها تعم جميع المسلمين من حيث إنهم أمة واحدة يرجع لاحقهم إلى سابقهم فقد بدأ ظهور الاسلام فيهم وهم قليل مستضعفون بمكة يخافون ان يتخطفهم الناس فآواهم بالمدينة وكثّرهم بالأنصار وأيدهم بنصره في بدر وغيره ورزقهم من جميع الطيبات الغنائم وغيرها من سائر النعم لعلهم يشكرون .
قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
إلى آخر الآيتين ؛ الخيانة نقض الأمانة التي هي حفظ الامن