لحق من الحقوق بعهد أو وصية ونحو ذلك ، قال الراغب : الخيانة والنفاق واحد إلّا ان الخيانة تقال اعتبارا بالعهد والأمانة ، والنفاق يقال اعتبارا بالدين ثم يتداخلان فالخيانة مخالفة الحق بنقض العهد في السر ، ونقيض الخيانة الأمانة يقال : خنت فلانا ، وخنت أمانة فلان وعلى ذلك قوله : لا تخونوا اللّه والرسول وتخونوا أماناتكم . انتهى .
وقوله :
« وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ »
من الجائز ان يكون مجزوما معطوفا على تخونوا السابق ، والمعنى : ولا تخونوا أماناتكم ، وأن يكون منصوبا بحذف أن والتقدير : وأن تخونوا أماناتكم ويؤيد الوجه الثاني قوله بعده :
« وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
.
وذلك ان الخيانة وإن كانت إنما يتعلق النهي التحريمي بها عند العلم فلا نهي مع جهل بالموضوع ولا تحريم غير أن العلم من الشرائط العامة التي لا ينجز تكليف من التكاليف المولوية إلّا به فلا نكتة ظاهرة في تقييد النهي عن الخيانة بالعلم مع أن العلم لكونه شرطا عاما مستغنى عن ذكره ، وظاهر قوله :
« وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ »
بحذف متعلقات الفعل ان المراد : ولكم علم بأنه خيانة لا ما قيل : إن المعنى : وأنتم تعلمون مفاسد الخيانة وسوء عاقبتها وتحريم اللّه إياها فان ذلك لا دليل عليه من جهة اللفظ ولا من جهة السياق .
فالوجه أن تكون الجملة بتقدير : وأن تخونوا أماناتكم ، ويكون مجموع قوله :
« لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ »
نهيا واحدا متعلقا بنوع خيانة هي خيانة أمانة اللّه ورسوله وهي بعينها خيانة لأمانة المؤمنين أنفسهم فان من الأمانة ما هي أمانة اللّه سبحانه عند الناس كأحكامه المشرّعة من عنده ومنها ما هي أمانة الرسول كسيرته الحسنة ، ومنها ما هي أمانة الناس بعضهم عند بعض كالأمانات من أموالهم أو اسرارهم ، ومنها ما يشترك فيه اللّه ورسوله والمؤمنون ، وهي الأمور التي امر بها اللّه سبحانه وأجراها الرسول وينتفع بها الناس ويقوم بها صلب مجتمعهم كالأسرار السياسية والمقاصد الحربية التي تضيع بإفشائها آمال الدين وتضل بإذاعتها مساعي الحكومة الاسلامية فيبطل به حق اللّه ورسوله ويعود ضرره إلى