فمن جميع هذه الشواهد يتحصل أن المراد بقوله :
« فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى »
نفي أن تكون وقعة بدر وما ظهر فيها من استئصال المشركين والظهور عليهم والظفر بهم جارية على مجرى العادة والمعروف من نواميس الطبيعة ، وكيف يسع لقوم هم شرذمة قليلون ما فيهم على ما روي الا فرس أو فرسان وبضعة أدرع وبضعة سيوف ، أن يستأصلوا جيشا مجهزا بالأفراس والأسلحة والرجال والزاد والراحلة ، هم أضعافهم عدة ولا يقاسون بهم قوة وشدة ، وأسباب الغلبة عندهم ، وعوامل البأس معهم ، والموقف المناسب للتقدم لهم .
إلّا ان اللّه سبحانه بما أنزل من الملائكة ثبت أقدام المؤمنين وأرعب قلوب المشركين ، وألقى الهزيمة بما رماه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من الحصاة عليهم فشملهم المؤمنون قتلا وأسرا فبطل بذلك كيدهم وخمدت أنفاسهم وسكنت أجراسهم .
فبالحري أن ينسب ما وقع عليهم من القتل بأيدي المؤمنين والرمي الذي شتت شملهم وألقى الهزيمة فيهم اليه سبحانه دون المؤمنين .
فما في الآية من النفي جار مجرى الدعوى بنوع من العناية ، بالنظر إلى استناد الوقعة بأطرافها إلى سبب إلهي غير عادي ، ولا ينافي ذلك استنادها بما وقع فيها من الوقائع إلى أسبابها القريبة المعهودة في الطبيعة بأن يعد المؤمنون قاتلين لمن قتلوا منهم ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم راميا لما رماه من الحصاة .
وقوله :
وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً
الظاهر أن ضمير
« مِنْهُ »
راجع إلى اللّه تعالى ، والجملة لبيان الغاية وهي معطوفة على مقدر محذوف ، والتقدير : إنما فعل اللّه ما فعل من قتلهم ورميهم لمصالح عظيمة عنده ، وليبلي المؤمنين ويمتحنهم بلاء وامتحانا حسنا أو لينعم عليهم بنعمة حسنة ، وهو إفناء خصمهم وإعلاء كلمة التوحيد بهم وإغناؤهم بما غنموا من الغنائم .