تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 552

مساهمون:

ص٥٥٢
أخرى غيرها كان يعبدهم مرءوسوهم من بيتهم وعشائرهم وهم أنفسهم كانوا يعبدون آباءهم الأولين وأصناما أخرى غيرهم كما يعبدهم ضعفاؤهم ، وأيضا بين الأرباب التي تعبدها الوثنية ما هو رب لغيره من الأرباب أو رب لرب آخر كربوبية الأب والام للابن وغير ذلك . إلا أن قوله لقومه فيما حكاه اللّه سبحانه :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
( النازعات / 24 ) ، وقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
( القصص / 38 ) ، ظاهر في أنه كان لا يتخذ لنفسه ربا ، وكان يأمر قومه أن لا يعبدوا إلا إياه ، ولذلك قال بعضهم : إنه كان دهريا لا يعترف بصانع ، ويأمر قومه بترك عبادة الآلهة مطلقا ، وقصر العبادة فيه ، ولذلك قرأ بعضهم - على ما قيل - « وإلهتك » بكسر الهمزة وفتح اللام وإثبات الألف بعدها كالعبادة وزنا ومعنى . لكن الأوجه أنه كان يريد بقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
نفي إله يخص قومه القبطيين يملكهم ويدبر أمورهم غير نفسه كما هو المعهود من عقائد الوثنيين أن لكل صنف من أصناف الخلائق كالسماء والأرض والبر والبحر وقوم كذا ، أو من أصناف الحوادث والأمور كالسلم والحرب والحب والجمال ربا على حدة ، وإنما كانوا يعبدون من بينها ما يهمهم عبادته كعبادة سكان سواحل البحار رب البحر والطوفان . فمعنى كلامه أني أنا ربكم معاشر القبطيين لا ما اتخذه موسى وهو يدعي أنه ربكم أرسله إليكم ، ويؤيده ما ذكرناه ما احتف به من القرينة بقوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
، فإنه تعالى يقول :
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ
( القصص / 38 ) ، فظاهرها أنه كان يشك في كونه إلها لموسى ، وأن معنى قوله :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
نفي العلم بوجود إله غيره لا العلم بعدم وجود إله غيره ، وبالجملة فكلامه لا ينفي إلها غيره .