مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا »
وعدوا أمر العصا - على الظاهر - آيات كثيرة لاشتماله على جهات كل منها آية كصيرورتها ثعبانا ، ولقفها حبالهم وعصيهم واحدا بعد واحد ، ورجوعها إلى حالتها الأولى .
والنقم هو الكراهة والبغض يقال : نقم منه كذا ينقم من باب ضرب وعلم : إذا كره وأبغض .
ثم أخذتهم الجذبة الإلهية من غير أن يذعروا مما هددهم به ، واستغاثوا بربهم على ما عزم به من تعذيبهم وقتلهم فسألوه تعالى قائلين :
« رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً
- على ما يريد أن يوقع بنا من العذاب الشديد -
وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ »
إن قتلنا .
وفي إطلاق الإفراغ على إعطاء الصبر استعارة بالكناية فشبهوا نفوسهم بالآنية ، والصبر بالماء ، وإعطاءه بإفراغ الإناء بالماء وهو صبه فيه حتى يغمره ، وإنما سألوا ذلك ليفيض اللّه عليهم من الصبر ما لا يجزعون به عند نزول أي عذاب وألم ينزل بهم .
وقد جاءوا بالعجب العجاب في مشافهتهم هذه مع فرعون وهو الجبار العنيد الذي ينادي
« أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى »
ويعبده ملك مصر فلم يذعرهم ما شاهدوا من قدرته وسطوته فأعربوا عن حجتهم بقلوب مطمئنة ، ونفوس كريمة ، وعزم راسخ ، وإيمان ثابت ، وعلم عزيز ، وقول بليغ ؛ وإن تدبرت ما حكاه اللّه سبحانه من مشافهتهم ومحاورتهم فرعون في موقفهم هذا في هذه السورة وفي سورتي طه والشعراء أرشدك ما في خلال كلامهم من الحجج البالغة إلى علوم جمة ، وحالات روحية شريفة ، وأخلاق كريمة ، ولولا محذور الخروج عن طور هذا الكتاب لأوردنا شذرة منها في هذا المقام فلينتظر إلى حين « 1 » .
هامش
( 1 ) . الأعراف 103 - 126 : بحث روائي حول قصة موسى وفرعون .