تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
مُوسى وَهارُونَ
أبهم فاعل الإلقاء في قوله :
« وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ »
وهو معلوم فإن السحرة هم الذين ألقوا بأنفسهم إلى الأرض ساجدين ، وذلك للإشارة إلى كما تأثير آية موسى فيهم وإدهاشها إياهم فلم يشعروا بأنفسهم حين ما شاهدوا عظمة الآية وظهورها عليهم إلا وهم ملقون ساجدون فلم يدروا من الذي أوقع بهم ذلك . فاضطرتهم الآية إلى الخرور على الأرض ساجدين ، والإيمان برب العالمين الذي اتخذه موسى وهارون ، وفي ذكر موسى وهارون دلالة على الإيمان بهما مع الإيمان برب العالمين . وربما قيل : إن بيانهم رب العالمين برب موسى وهارون لدفع توهم أن يكون إيمانهم لفرعون فإنه كان يدعى أنه رب العالمين فلما بينوه بقوله :
« رَبِّ مُوسى وَهارُونَ »
ولم يأخذا فرعون ربا اندفع ذلك التوهم ، ولا يخلو عن خفاء فإن الوثنية ما كانت تقول برب العالمين بحقيقة معناه بمعنى من يملك العالمين ويدبر أمر جميع أجزائها بالاستقامة بل قسموا أجزاء العالم وشؤونها بين أرباب شتى ، وإنما أعطوا اللّه سبحانه مقام إله الآلهة ورب الأرباب لا رب الأرباب ومربوبيها . والذي ادعاه فرعون لنفسه على ما حكاه اللّه من قوله :
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
( النازعات / 24 ) ، إنما هو العلو من جهة القيام بحاجة الناس - وهم أهل مصر خاصة - عن قرب واتصال لا من جهة القيام بربوبية جميع العالمين ، ومع ذلك كله قد أحاطت الخرافات على الوثنية بحيث لا يستبعد أن يتفوهوا بكون فرعون رب العالمين وإن خالف أصول مذاهبهم قطعا . قوله تعالى :
قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
إلى آخر الآيتين ؛ خاطبهم فرعون بقوله :
« آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ »
تأنفا واستكبارا ، وهو إخبار يفيد بحسب المقام والإنكار والتوبيخ ، ومن الجائز أن يكون استفهاما انكاريا أو توبيخيا محذوف الأداة .