تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
العذاب آية للرسالة مبينة للدعوة . على أنه يفرع قوله :
« فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ »
الآية ؛ على مجيء الآية ظاهرا ، وإنما يستقيم الدعوة إلى العمل بالدين قبل نزول العذاب وتحقق الهلاك . وهو ظاهر . وقد دعاهم أولا بعد التوحيد الذي هو أصل الدين إلى إيفاء الكيل والميزان وأن لا يبخسوا الناس أشياءهم فقد كان الإفساد في المعاملات رائجا فيهم شائعا بينهم . ثم دعاهم ثانيا بقوله :
« وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها »
إلى الكف عن الإفساد في الأرض بعد ما أصلحها اللّه بحسب طبعها ، والفطرة الإنسانية الداعية إلى اصلاحها كي ينتظم بذلك أمر الحياة السعيدة ، والإفساد في الأرض وان كان بحسب اطلاق معناه يشمل جميع المعاصي والذنوب مما يتعلق بحقوق اللّه أو بحقوق الناس كائنة ما كانت لكن مقابلته لما قبله وما بعده يخصه - تقريبا - بالإفساد الذي يسلب الأمن العام في الأموال والأعراض والنفوس كقطع الطرق ونهب الأموال وهتك الأعراض وقتل النفوس المحترمة . ثم علل دعوته إلى الأمرين بقوله :
« ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ »
أما كون إيفاء الكيل والميزان وعدم بخس الناس أشياءهم خيرا فلأن حياة الإنسان الاجتماعية في استقامتها مبنية على المبادلة بين الأفراد بإعطاء كل منهم ما يفضل من حاجته ، وأخذ ما يعادله مما يتمم به نقصه في ضروريات الحياة وما يتبعها ، وهذا يحتاج إلى أمن عام في المعاملات تحفظ به أوصاف الأشياء ومقاديرها على ما هي عليه فمن يجوز لنفسه البخس في أشياء الناس فهو يجوز ذلك لكل من هو مثله ، وهو شيوعه ، وإذا شاع البخس والغش والغرر من غير أن يؤمن حلول السم محل الشفاء والردي مكان الجيد ، والخليط مكان الخالص ، وبالأخرة كل شيء محل كل شيء بأنواع الحيل والعلاجات كان فيه هلاك الأموال والنفوس جميعا . وأما كون الكف عن إفساد الأرض خيرا لهم فلأن سلب الأمن العام يوقف رحى المجتمع الإنساني عن حركتها من جميع الجهات وفي ذلك هلاك الحرث والنسل وفناء الإنسانية .