كانوا يوعدون ويصدون عن سبيل اللّه سيأخذون في افساد الأرض وايذاء المؤمنين ويوجب ذلك في المؤمنين وهن عزيمتهم ، وتسلط الناس على قلوبهم فأمرهم جميعا بالصبر وانتظار أمر اللّه فيهم ليحكم بينهم وهو خير الحاكمين .
فإن في ذلك صلاح المجتمع ، أما المؤمنون فلا يقعون في الباس من الحياة الآمنة ، والاضطراب والحيرة من جهة دينهم ، وأما الكفار فلا يقعون في ندامة الإقدام من غير رؤية ومفسدة المظلمة على جهالة فحكم اللّه خير فاصل بين الطائفتين فهو خير الحاكمين لا يساهل في حكم إذا حان حينه ، ولا يجور في حكم إذا ما حكم .
فقوله :
« فَاصْبِرُوا »
بالنسبة إلى الكفار أمر ارشادي ، وبالنسبة إلى المؤمنين أمر مولوي أو ارشادي ، وهو ارشاد الجميع إلى ما يصلح حالهم .
قوله تعالى :
قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ
الآية . لم يسترشد الملأ المستكبرون من قومه بما أرشدهم اليه من الصبر وانتظار الحكم الفصل في ذلك من اللّه سبحانه بل بادروه بتهديده وتهديد المؤمنين بإخراجهم من أرضهم الا أن يرجعوا إلى ملتهم بالارتداد عن دين التوحيد .
وفي تأكيدهم القول :
« لَنُخْرِجَنَّكَ »
و
« لَتَعُودُنَّ »
بالقسم ونون التأكيد دلالة على قطعهم العزم على ذلك ، ولذا بادر عليه السّلام بعد استماع هذا القول منهم إلى الاستفتاح من اللّه سبحانه .
قوله تعالى :
قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ، قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ
الآية ؛ أجاب عليه السّلام بكراهة العود في ملتهم بدليل ما بعده من الجمل ، ولازم ذلك اختيار الشق الآخر على تقدير الاضطرار إلى أحدهما كما أخبروه .
وقد أجاب عليه السّلام عن نفسه وعن المؤمنين به من قومه ، وذكر أنه والمؤمنين به جميعا كارهون للعود إلى ملتهم فإن في ذلك افتراء للكذب على اللّه سبحانه بنسبة الشركاء إليه ، وما يتبعها من الأحكام المفتراة في دين الوثنية فقوله :
« قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً »
الآية ؛ بمنزلة التعليل لقوله :