تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 523

مساهمون:

ص٥٢٣
ثم دعاهم ثالثا إلى ترك التعرض لصراط اللّه المستقيم الذي هو الدين فإن في الكلام تلويحا إلى أنهم كانوا يقعدون على طريق المؤمنين بشعيب عليه السّلام ويوعدونهم على إيمانهم به والحضور عنده والاستماع منه وإجراء العبادات الدينية معه ، ويصرفونهم عن التدين بدين الحق والسلوك في طريقة التوحيد وهم يسلكون طريق الشرك ، ويطلبون سبيل اللّه الذي هو دين الفطرة عوجا . وبالجملة كانوا يقطعون الطريق على الإيمان بكل ما يستطيعون من قوة واحتيال فنهاهم عن ذلك ، ووصاهم أن يذكروا نعمة اللّه عليهم ويعتبروا بالنظر إلى ما يعلمونه من تاريخ الأمم الغابرة ، وما آل إليه أمر المفسدين من عاقبة السوء . فقوله :
وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ
، وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين كلام مسوق سوق العظة والتوصية وهو يقبل التعلق بجميع ما تقدم من الأوامر والنواهي فقوله :
« وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ »
أمر بتذكر تدرجهم من القلة إلى الكثرة بازدياد النسل فإن ذلك من نعم اللّه العظيمة على هذا النوع الإنساني لأن الإنسان لا يقدر على أن يعيش وحده من غير اجتماع إذ الغاية الشريفة والسعادة العالية الإنسانية التي يمتاز بها عن سائر الأنواع الحيوانية وغيرها اقتضت أن تهب العناية الإلهية له أدوات وقوى مختلفة وتركيبا وجوديا خاصا لا يستطيع أن يقوم بضروريات حوائجها العجيبة المتفننة وحده بل بالتعاضد مع غيره في تحصيل المأكل والمشرب والملبس والمسكن والمنكح وغيرها تعاضدا في الفكر والإرادة والعمل . قوله تعالى :
وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ
إلى آخر الآية ؛ ثم دعاهم رابعا إلى الصبر على تقدير وقوع الاختلاف بينهم بالإيمان والكفر فإنه كان يوصيهم جميعا قبل هذه الوصية بالاجتماع على الإيمان باللّه والعمل الصالح ، وكأنه أحس منهم أن ذلك مما لا يكون البتة ، وأن الاختلاف كائن لا محالة ، وأن الملأ المستكبرين من قومه وهم الذين