وقوله :
وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا
( الأحقاف / 34 ) .
وعلى هذا فقوله :
« أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا »
اعتراف منهم بحقية ما وعدهم اللّه وكانوا يذعنون به ويشهدون من جميع خصوصيات البعث بما قصهم اللّه في الدنيا بلسان أنبيائه ، وأما الكفار فقد كانوا ينكرون أصل البعث والعذاب ، وهو مما يشتركون فيه هم والمؤمنون فلذا قيل :
« فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا »
ولم يقل ما وعدكم ربكم لأن الوعد بأصل البعث والعذاب لم يكن مختصا بهم .
وبذلك يظهر الجواب عما قيل : إن الوفاء بالوعد واجب دون الوفاء بالوعيد على ما ذكره المتكلمون فما معنى أخذ الاعتراف بحقية ما ذكره اللّه من عقاب الكفار والمجرمين وأنذرهم به في الدنيا ، وليس تحققه بلازم .
وذلك أن الملاك فيما ذكروه من الفرق أن الثواب حق العامل على ولي الثواب الذي بيده الأمر ، والعقاب حق الولي المثيب على العامل ، ومن الجائز أن يصرف الشخص نظره عن إعمال حق نفسه لكن لا يجوز إبطال حق الغير فإنجاز الوعد واجب دون إنجاز الوعيد ، وهذا إنما يتم في موارد الوعيد الخاصة ومصاديقه في الجملة ، وأما عدم إنجاز أصل العقاب على الذنب وإبطال أساس المجازاة على التخلف فليس كذلك إذ فيه إبطال التشريع من أصله وإخلال النظام العام .
وربما وجه الفرق في قوليه :
« وَعَدَنا رَبُّنا »
« وَعَدَ رَبُّكُمْ »
بأن المراد بقوله :
« وَعَدَنا »
ما وعد اللّه المتقين من خصوصيات ما يعاملهم به يوم القيامة ، وبقوله :
« وَعَدَ رَبُّكُمْ »
عموم ما وعد به المؤمنين والكفار من الثواب والعقاب يوم القيامة كالذي في قوله : « يا بني آدم
فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ »
إلى آخر الآيتين ؛ ومن المعلوم أن هذا الوعد لا يختص بالكفار حتى يقال : وعدكم ربكم بل التعبير الحق وعد ربكم .