سلكه على استقامة ما تدعو إليه الفطرة وهو الذي يسوقه إلى سعادة كان هو الصراط المستقيم والإسلام الذي هو الدين عند اللّه وسبيل اللّه الذي لا عوج فيه ، وإن سلك غير ذلك سواء كان فيه إذعان بألوهية وعبادة لمعبود كالملل والأديان الباطلة أو لم يكن فيه خضوع لشيء وعبادة لمعبود كالمادية المحضة فهو سلوك يبغون فيه سبيل اللّه عوجا وهو الإسلام محرفا عن وجهه ، ونعمة اللّه التي بدلت كفرا ، فافهم ذلك .
وقد أبهم اللّه هذا الذي يخبر عنه بقوله :
« فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ »
ولم يعرفه من هو ؟ أمن الإنس أم من الجن أم من الملائكة ؟ لكن الذي يقتضيه التدبر في كلامه تعالى أن يكون هذا المؤذن من البشر لا من الجن ولا من الملائكة : أما الجن فلم يذكر في شيء من تضاعيف كلامه تعالى أن يتصدى الجن شيئا من التوسط في أمر الإنسان من لدن وروده في عالم الآخرة وهو حين نزول الموت إلى أن يستقر في جنة أو نار فيختم أمره فلا موجب لاحتمال كونه من الجن .
وأما الملائكة فإنهم وسائط لأمر اللّه وحملة لإرادته بأيديهم إنفاذ الأوامر الإلهية ، وبوساطتهم يجري ما قضى به في خلقه ، وقد ذكر اللّه سبحانه أشياء من أمرهم وحكمهم في عالم الموت وفي جنة الآخرة ونارها كقولهم للظالمين حين القبض
« أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ »
الخ ( الأنعام / 93 ) ؛ وقولهم لأهل الجنة الجنة :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
الخ ( النحل / 32 ) ؛ وقول مالك لأهل النار :
إِنَّكُمْ ماكِثُونَ
الخ ( الزخرف / 77 ) ؛ ونظائر ذلك .
وأما المحشر وهو حظيرة البعث والسؤال والشهادة وتطاير الكتب والوزن والحساب والظرف الذي فيه الحكم الفصل فلم يذكر للملائكة فيه شيء من الحكم أو الأمر والنهي ولا لغيرهم صريحا إلا ما صرح تعالى به في حق الإنسان .
كقوله تعالى في أصحاب الأعراف في ذيل هذه الآيات حكاية عنهم :
« وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ »
وقولهم لجمع من المؤمنين هناك :
« ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا