تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الميزان في تفسير القرآن — صفحة 481

مساهمون:

ص٤٨١
وقال تعالى :
« ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ »
. وقوله :
« قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا »
الخ ؛ نوع من الالتفات لطيف في بابه فيه رجوع من مخاطبتهم بالمخاصمة إلى مخاطبة اللّه سبحانه بالدعاء عليهم معللا بظلمهم فيفيد فائدة التكنية بالإشارة إلى الملزوم وإفادة الملازمة ، وفيه مع ذلك نوع من الإيجاز فإن فيه اكتفاء بمحاورة واحدة عن محاورتين ، والتقدير قالت أخراهم لاولاهم أنتم أشد ظلما منا لأنكم ضالون في أنفسكم وقد أضللتمونا فليعذبكم اللّه عذابا ضعفا من النار ، ثم رجعوا إلى ربهم بالدعاء عليهم وقالوا ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ، الخ ؛ فأجابهم اللّه وقال لكل ضعف ولكن لا تعلمون ، ثم أجابتهم أولاهم وقالوا : فما كان لكم علينا من فضل ، الخ . فمعنى الآية :
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا
واجتمعوا بلحوق أخراهم لأولاهم
« فِيها »
أي في النار تخاصموا
« قالَتْ أُخْراهُمْ »
وهم اللاحقون مرتبة أو زمانا من التابعين
« لِأُولاهُمْ »
وهم الملحقون المتبوعون من رؤسائهم وأئمتهم ، ومن آبائهم والأجيال السابقة عليهم زمانا الممهدين لهم الطريق إلى الضلال أنتم أضللتمونا بإعانتكم عليه فلتعذبوا بأشد من عذابنا فسألوا ربهم ذلك وقالوا :
« رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ »
يكون ضعف عذابنا لأنهم ضلوا في أنفسهم وأضلوا غيرهم بالإعانة « قال » اللّه سبحانه « لكل » من الأولى والأخرى « ضعف من العذاب » أما أولاكم فإنهم ضلوا وأعانوكم على الضلال ، وأما أنتم فإنكم ضللتم وأعنتموهم على الإضلال باتباع أمرهم وإجابة دعوة الرؤساء منهم ، وتكثير سواد السابقين منهم باللحوق بهم
« وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ »
فإن العذاب إنما يتحقق أو يتم في مرحلة الإدراك والعلم . وأنتم تشاهدونهم أمثال أنفسكم في شمول العذاب وإحاطة النار فتتوهمون أن عذابهم مثل عذابكم وليس كذلك بل لهم من العذاب ما لا طريق لكم إلى إدراكه والشعور به كما أنهم بالنسبة إليكم كذلك فما عندكم وعندهم من العذاب ضعف ولكن إحاطة العذاب شغلكم عن العلم بذلك .