والمخاطبون بحسب سياق اللفظ هم بعض الكفار وهم الذين توفيت قبلهم أمم من الجن والإنس إلا أن الخطاب في معنى : ادخلوا فيما دخل فيه سابقوكم ولاحقوكم وإنما نظم الكلام هذا النظم ليتخلص به إلى ذكر التخاصم الذي يقع بين متقدميهم ومتأخريهم ، وقد قال تعالى :
إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ
( ص / 64 ) .
وفي الآية دلالة على أن من الجن أمما يموتون بآجال خاصة قبل انتهاء أمد الدنيا على خلاف إبليس الباقي إلى يوم الوقت المعلوم .
قوله تعالى :
كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها
هذا من جملة خصامهم في النار وهو لعن كل داخل من تقدم عليه في الدخول ، واللعن هو الإبعاد من الرحمة ومن كل خير والأخت المثل .
قوله تعالى :
حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً
إلى آخر الآيتين ؛ اداركوا أي تداركوا أي أدرك بعضهم بعضا اللاحقون السابقين أي اجتمعوا في النار جميعا .
والمراد بالأولى والأخرى اللتين تتخاصمان ما هو كذلك بحسب الرتبة أو بحسب الزمان فإن الأولى منهم مقاما وهم رؤساء الضلال ، وأئمة الكفر المتبوعون أعانوا تابعيهم بإضلالهم على الضلال ، وكذا الأولى منهم زمانا وهم الأسلاف المتقدمون أعانوا متأخريهم على ضلالتهم لأنهم هم الذين جرءوهم بفتح الباب لهم وتمهيد الطريق لسلوكهم .
والضعف بالكسر فالسكون ما يكرر الشيء فضعف الواحد اثنان وضعف الاثنين أربعة غير أنه ربما أريد به ما يوجب تكرار شيء آخر فقط كالاثنين يوجب بنفسه تكرار الواحد فضعف الواحد اثنان وضعفاه أربعة ، وربما أريد به ما يوجب التكرار بانضمامه إلى شيء كالواحد يوجب تكرار واحد آخر بانضمامه إليه لأنهما يصيران بذلك اثنين فكل واحد من جزئي الاثنين ضعف وهما جميعا ضعفان نظير الزوج فالاثنان زوج وهما زوجان وعلى كلا الاعتبارين ورد استعماله في كلامه تعالى ، قال تعالى كما في هذه الآية :
« فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً »