تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
فصل : في الحكم بين المعاهدين والمهادنين : لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزل المدينة وادع يهودا كافة على غير جزية - والموادعة والمهادنة شئ واحد - منهم بنو قريظة والنضير والمصطلق لأن الإسلام كان ضعيفا بعد ، وفيهم نزل قوله تعالى : فاحكم بينهم أو أعرض عنهم ، فإذا تحاكم أهل الهدنة إلينا لم يجب على الحاكم أن يحكم بينهم بل هو بالخيار في ذلك ، فأما أهل الذمة فالحكم فيهم أيضا مثل ذلك ، وقد روى أصحابنا أنهم إذا تحاكموا إلى حاكم المسلمين حملهم على حكم الإسلام . وأهل الذمة إذا فعلوا ما لا يجوز في شرع الإسلام نظر فيه ، فإن كان غير جائز في شرعهم أيضا - كما لو زنوا أو لاطوا أو سرقوا أو قتلوا أو قطعوا - كان الحكم في ذلك كالحكم بين المسلمين في إقامة الحدود لأنهم عقدوا الذمة بشرط أن تجري عليهم أحكام المسلمين ، وإن كان ذلك مما يجوز في شرعهم - مثل شرب الخمر ولحم الخنزير ونكاح ذوات المحارم - فلا يجوز أن يتعرض لهم ما لم يظهروه ويكشفوه لأنا نقرهم عليه ونترك التعرض لهم فيه لأنهم عقدوا الذمة وبذلوا الجزية على هذا ، فإن أظهروا ذلك وأعلنوه منعهم الإمام وأدبهم على إظهاره ، وقد روى أصحابنا أنه يقيم عليهم الحدود بذلك ، وهو الصحيح . إذا جاءنا نصراني قد باع من مسلم خمرا أو اشترى من مسلم خمرا أبطلناه بكل حال - تقابضا أو لم يتقابضا - ورددنا الثمن إلى المشتري ، فإن كان مسلما استرجع الثمن وأرقنا الخمر لأنا لا نقضي على المسلم برد الخمر ، وجوزنا إراقتها لأن الذمي عصى بإخراجها إلى المسلم فأريقت عليه ، وإن كان المشتري المشرك رددنا إليه الثمن ولا نأمر الذمي برد الخمر بل نريقها لأنها ليست كمال الذمي . يكره للمسلم أن يقارض النصراني أو يشاركه لأنه ربما يشتري ما ليس بمباح في شرعنا ، فإن فعل صح القراض لأن الظاهر أنه لا يفعل إلا المباح . وينبغي إذا دفع إليه المال أن يشترط أن لا يتصرف إلا فيما هو مباح في شرعنا