شرح
بل أوّلاً : لأجل أن من كانت نفقته واجبة على غيره ، وغيره منفق وباذل ، فما دل على جواز اعطاء الزكاة للفقير من الاطلاقات المتقدمة وجواز أخذها للفقير منصرفة عن مثل هذا الفقير ( 1 ) فلا يشمل أولاد الأغنياء الباذلين المنفقين على أولادهم وإن كان أولادهم فقراء .
وثانياً : ولأجل أن حكمة تشريع الزكاة سد حاجات المحتاجين من المؤمنين ، ومن كان ولداً لغني وعيالاً له ولازماً له والغني باذل فهو غير محتاج وإن كان فقيراً ، فإن هذا الفقير في قوة الغني ، فإن الشارع ألحق بعض الفقراء حكماً بالأغنياء ، كالمحترف وابن الغني الفقير مع بذل الغني له وملازمة الابن له .
وبعبارة اُخرى : الفقير الذي هو مورد لصرف الزكاة منصرف عن الفقير مع بذل الباذل .
وعلى تقدير عدم الانصراف ، فإن مصرف الزكاة إنما هو المحتاج ، ولذا قيّدنا سهم الغارمين بالعاجزين عن أداء الدين بمقتضى حكمة تشريع الزكاة ، وإن كانت الأدلة بالنسبة إلى سهم الغارمين مطلقة ، فليس من المحتمل أن تعطى الزكاة لابن التاجر الفلاني مع كونه باذلاً للنفقة ، أو ابن المليونير الفلاني
هامش
إعطاء واجب النفقة المتقدم بعضها الشامل لغير المنفق ، مثل ما في صحيح ابن الحجاج : خمسة لا يعطون من الزكاة . المستمسك ج 9 : 175 ، فإن هذه الروايات ظاهرة في عدم جواز إعطاء الولد الذي هو ولد لمعطي الزكاة ، وعدم جواز إعطاء الوالد الذي هو والد لمعطي الزكاة ، لا حتّى الولد الذي هو أجنبي عن معطي الزكاة والوالد الذي هو أجنبي عن معطي الزكاة ، فالقول بأنها شاملة لغير ولد المنفق الذي تجب عليه الزكاة ساقطة جزماً .
كذا قال السيد الاُستاذ ( قدس سره ) ، وهو الصحيح .
ولكن أقول : قد يقال : إن استدلال السيد الحكيم ( قدس سره ) لا بالشمول من جهة كلمة الولد أو الوالد حتّى يقال في الجواب عنه بما قاله السيد الاُستاذ ، بل من جهة التعليل في هذه الروايات وهو قوله ( عليه السلام ) : « وذلك أنهم عياله لازمون له » فإن هذا التعليل هو الذي يقتضي عدم جواز دفع الزكاة لهم ، فكل عيال لشخص هو منفق عليهم لا يجوز إعطاء الزكاة لهم بمقتضى عمومية التعليل ، وهذا لا فرق فيه بين أن يكون المعطي للزكاة لهم هو من تجب نفقتهم عليه أو غيره ، فدعوى الشمول هي الصحيحة ، وهي من جهة التعليل الذي يعمم ويخصص .
وفيه : أن السيد الحكيم ( قدس سره ) استدل بالاثنين ، فاستدلاله الأوّل غير استدلاله الثاني . على أن الاستدلال الثاني ردّه السيد الحكيم فإنه قال تكملة لعبارته المتقدمة : « بل يمكن الاستدلال له بالتعليل بناءً على أنّ ظهوره في اللازم يوجب خروجه عن موضوع الفقر . لكن فيه : ما عرفت من ظهوره في غير ذلك » المستمسك ج 9 : 175 طبعة بيروت . إلاّ أنّ ردّ السيد الحكيم لذلك غير صحيح ، فالاستدلال بالتعليل أيضاً صحيح ، لكن ليس معنى ذلك أن السيد الحكيم لم يستدل بالاطلاق المذكور .
( 1 ) ومنشأه الانصراف هو كثرة الإطلاق لا كثرة الوجود ، فإن كثرة اطلاق الفقير على غير من تجب نفقته على الغير من كون الغير غنياً ومنفقاً عليه أوجب انصرافه عمن تجب نفقته على الغني والغني باذل لها ، بنحو تكون الكثرة في الأوّل والقلة جداً في الثاني بنفسها مصححة وقرينة للقول مجازاً إنه ليس فقيراً . فالانصراف لا شك فيه ولا ريب يعتريه .