تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواضح في شرح العروة الوثقى ( الزكاة ) — صفحة 359

مساهمون:

ص٣٥٩
شرح
الْجَهِلِينَ ) ( 1 ) بدعوى أن الأمر بأخذ العفو أمر بأخذ الزيادة ، وما يصرفه المالك من المؤن ليس من الزيادة ، بل الزيادة لا تصدق إلاّ على غيرها ، فلا وجوب للزكاة في الغلة بمقدار المؤن وهو معنى الاستثناء . وفيه : أن العفو ليس بمعنى الزيادة ، بل إذا اُطلق فبمعنى العمل الصالح الطيب الذي هو أجود العمل . نعم ، العفو إذا قيد بالمال فقيل : العفو من المال ، فهو بمعنى الزيادة ، وليس المراد هنا العفو من المال ، لأنه تقييد من دون مقيد . قال في أقرب الموارد : العفو خيار الشيء وأجوده ، ومن المال ما يفضل عن النفقة ( 2 ) . فالآية المباركة أمر فيها سبحانه وتعالى نبيه باتيان العفو من عمل نفسه ، وهو الاتيان بأصلح الأعمال وأطيبها وأجودها وأن يأمر غيره بالمعروف ويعرض عن الجاهلين ، ولا يسمع كلامهم ولا يعمل بما يشتهون ، وأين هذا من الزكاة وأنها واجبة في غير المؤن ؟ ! ومع التنزل وفرض أن الأمر أمر بأخذ الزيادة من المال ، فمعنى ذلك أخذ جميع الغلة لا عشرها باستثناء المؤن ، بل لا اختصاص له بالغلة ، بل كل شيء حنطةً أو شعيراً أو تمراً أو زبيباً أو غيرها ، وهو مقطوع العدم . والتخصيص بالأربعة تخصيص بالفرد النادر ، فيكشف ذلك عن كون الآية المباركة ليست في الزكاة أصلاً . وعليه فليس للمشهور أي دليل معتمد على استثناء المؤن كي يخرج به عن الاطلاقات الدالة على وجوب العُشر أو نصف العُشر مما أنبتت الأرض من الغلات ، فالصحيح هو عدم الاستثناء كما اختاره جمع من كبار الأصحاب تقدم ذكرهم . وهل هناك فرق بين المؤن قبل التعلّق والمؤن بعد التعلّق ؟ نقول : لو تنزلنا - ولا نتنزل أبداً - وقلنا باستثناء المؤن فإنما نقول باستثناء المؤن السابقة على التعلق ، وأما اللاحقة له فأي معنى لاستثنائها ؟ ! نعم ، للمالك الاستئذان من ولي الزكاة في الصرف على حصة المستحق ثم الاحتساب عليه . وأما مع صدق النصاب فالمؤن المصروفة المتأخرة عن تعلق الوجوب لا تكون موجبة لسقوط الوجوب إلاّ على
هامش
( 1 ) الأعراف 7 : 199 .
( 2 ) أقرب الموارد 2 : 805 ، ولكن في مجمع البحرين : العفو أي المسيور من اخلاق الناس ولا تستقص عليهم . مادة عفو . وفي لسان العرب : وقوله تعالى : ( خُذْ العَفو ) ، قيل : العفو الفضل الذي يجيء بغير كلفة ، والمعنى اقبل الميسور من اخلاق الناس ولا تستقصِ عليهم فيستقصي الله عليك مع ما فيه من العداوة والبغضاء . لسان العرب 9 : 296 مادة عفا .