شرح
فيه ( 1 ) وحينئذ لابدّ من تقييدها ، بل إن تقييدها مقطوع به لا من جهة الصناعة ، بل لأن صوم السابع والثامن والتاسع مجزئ جزماً كما دلت عليه عدة صحاح تقدمت ( 2 ) فلا يمكن أن يقال : إن من فاته صوم ثلاثة أيّام قبل يوم التروية صامها بعد أيام التشريق . فلابدّ من رفع اليد عن اطلاق هذه الصحيحة جزماً . فلا تكون معارضة لمعتبرة يحيى الأزرق حتّى بنحو الاطلاق والتقييد .
الطائفة الثالثة : ما دل من الروايات على عدم صوم اليوم الثامن والتاسع ، وإنما يؤخر ذلك إلى ما بعد أيام التشريق ، كما في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة قريباً على ما رواها الشيخ في التهذيبين ، أو يصوم يوم الحصبة ويومين بعده كما في صحيحة العيص بن القاسم عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ، قال : « سألته عن متمتع يدخل يوم التروية وليس معه هدي ، قال : فلا يصوم ذلك اليوم ولا يوم عرفة ، ويتسحّر ليلة الحصبة فيصبح صائماً وهو يوم النفر ويومين بعده » ( 3 ) حمل الشيخ ( 4 ) النهي عن الصوم على انفراد ، أي لا يصوم يوم التروية منفرداً ولا يصوم يوم عرفة منفرداً ، فالمعنى أن من فاته صوم يوم قبل التروية لا يصوم يوم التروية ولا عرفة كلاً على انفراد ومن دون ضميمة الآخر ، فلا منافاة بينهما وبين معتبرة يحيى الأزرق التي دلت على صومهما مجتمعاً ثمّ يوماً بعد أيام التشريق . وما ذكره متين جداً ، فإنهم ذكروا أن تكرار كلمة ( لا ) في النفي كما في قولك : ( لا تجالس زيداً ولا عمراً ) لأجل رفع توهم أن الذي وقع عليه الحكم هو المجموع ، واثبات أن كل واحد منهما منفرداً هو موضوع الحكم ، بخلاف قولك : ( لا تجالس زيداً وعمراً ) فإنه دال على النهي عن مجالستهما مجتمعين ، فلأجل رفع توهم أن الممنوع هو مجالسة المجموع تكرر كلمة ( لا ) لإثبات أن المقصود هو المنع عن مجالسة كل منهما منفرداً . وهذا هو المتعارف والمعهود عندهم ، والإمام ( عليه السلام ) كرر كلمة ( لا ) والظاهر منه تعليق النهي بكل منهما منفرداً - لا بالمجموع منهما - وهذا مطلق ، أي أن اطلاق النهي عن صوم يوم التروية كان مع صوم يوم عرفة أم لا ، كما أن مجالسة زيد منهياً عنها مطلقاً ، كان مع عمرو أم لا ، فيقيد اطلاق الرواية بما دل على جواز صوم كل منهما منضماً إلى الآخر ، فلا معارضة بينهما وبين معتبرة يحيى الأزرق الدالة على أنه لو لم يصم اليوم السابع ، صام الثامن والتاسع مع يوم بعد أيام التشريق .
هامش
( 1 ) في المسألة 393 من مسائل المناسك .
( 2 ) منها صحيحة معاوية بن عمّار وصحيحة حمّاد بن عيسى وقد تقدمتا في المسألة 393 من مسائل المناسك .
( 3 ) كما سيأتي التقييد به في فروع هذه المسألة .
( 4 ) التهذيب 5 : 231 / ذيل ح 783 .