شرح
ومما يؤكد ذلك تسلسل الآيات وارتباط بعضها ببعض ظاهراً ورجوعها كلها إلى موضوع واحد ، قال تعالى : ( وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْىُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك ) ( 1 ) فإنه تعالى بعد أن بيّن لزوم إتمام الحج والعمرة لله وعدم جواز رفع اليد عنهما بعد الإحرام قال : ( فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ ) ومعناه إن امتنع عليكم الإتمام فعليكم الهدي ، ولكن ليس لكم الحلق حتّى يبلغ الهدي محلّه ، وبما أن هناك من لم يتمكن من البقاء كذلك إلى أن يبلغ الهدي محلّه ، ومحتاج إلى حلق رأسه في نفسه لمرض أو لقمّل فيه يؤذيه ونحو ذلك ، ولا يمكنه الحلق وهو محرم قال : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك ) وقوله هذا في المريض أو الذي به أذى من رأسه أقوى شاهد على أن الاحصار المذكور في صدر الآية المباركة هو الأعم ، وإلاّ فلو كان المراد منه خصوص المرض فلا معنى لكلمة ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا ) إلخ ، فإنه تعالى قسّم المحصور إلى مريض وغيره ، فلابدّ وأن يكون الموضوع غير مختص بالمريض ، وإلاّ فلا يلتئم مع الحكم المتقدم الذي هو مطلق المنع ، فمعنى الآية بمقتضى تسلسل الآيات وارتباطها أن الممنوع من الحج مطلقاً ليس له الحلق حتى يهدي ، إلاّ إذا كان سبب المنع هو المرض ولا يتمكن من الانتظار إلى أن يبلغ الهدي محلّه ، فيجوز له الحلق قبل وصول الهدي محلّه وعليه الفدية . نعم ، وردت هنا رواية حريز عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) يظهر منها أن قوله تعالى : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك ) نازل في مورد آخر ، وليس هو من متممات الآية التي قبلها الذي كان ذلك قرينة على أن المراد من الحصر مطلق المنع ، فلا يكون تسلل الآيات وارتباطها ببعض مؤكداً لكون الحصر بمعنى مطلق المنع . قال : « مرّ رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على كعب بن عجزة الأنصاري والقمّل يتناثر من رأسه « وهو محرم » فقال : أتؤذيك هوامك ؟ فقال : نعم ، قال : فأنزلت هذه الآية : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك ) فأمره رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) بحلق رأسه وجعل عليه الصيام ثلاثة أيّام ، والصدقة على ستّة مساكين . . . » ( 2 ) ، وعلى هذا تكون الآية على
خلاف ظاهر التسلسل ، فلا يكون من متممات آية الحصر ، إلا أن الرواية غير ثابتة لأنها رويت في
هامش
( 1 ) البقرة : 196 .
( 2 ) الوسائل ج 13 : 165 باب 14 من أبواب بقيّة كفارات الإحرام ح 1 .