شرح
وأما قياس النسيان بالجهل - في قول القائل : ويؤكد ذلك ثبوت ذلك عند الجهل جزماً - غير صحيح للفرق الواضح بينهما ، فإنه في حال الجهل العلم بالتكليف بالباقي موجود وجداناً فإنّا نعلم بأنّا مكلفون بالصلاة التي لا تسقط بحال وجداناً ، فالمأمور به في حال الجهل دائر أمره بين الأقل والأكثر ، أي أن المأمور به في هذه الحالة الطبيعة إلاّ بشرط المقسمي المعلومة وجداناً ، وإنما الشك في الزيادة وعدمها ، أي لا ندري أن المأمور به مقيد بالسورة أو مطلق ، فالشك إنّما هو في الاطلاق والتقييد لا في أصل المأمور به ، فإنه معلوم الوجوب وجداناً ، فإذا رفعنا الزائد المشكوك بحديث الرفع أمكن الاتيان بالواجب للعلم الإجمالي بتوجه التكليف إلينا وتعلقه بهذا الواجب والزائد المشكوك مرفوع بحديث الرفع ، وكيف يمكن قياس هذا بالناسي للترتيب الذي لا نعلم أنه في حال النسيان بأي شيء تعلق التكليف وليس هنا قدر متيقن وشك في التقييد بالترتيب بعد ارتفاع الأمر بالمركب جزماً وعدم العلم بوجود أمر بالفاقد ، فاثبات صحّة غير المنسي يحتاج إلى دليل خاص ومن أراد التوضيح فليراجع الاُصول ( 1 ) ، إذن فحديث الرفع لا يدل على صحّة ما أتى به على
هامش
بالترتيب ، وأما أن الرمي الفاقد للترتيب نسياناً مأمور به فهذا يحتاج إلى دليل ، لأن حديث الرفع متكفل للرفع لا لاثبات أمر بالفاقد للترتيب ليكون الاتيان به مجزياً وصحيحاً .
وملخص الجواب : أن حديث الرفع كما يرفع الأحكام التكليفية كذلك يرفع الأحكام الوضعية ، وشرطية الترتيب في رمي الجمار وإن كانت من الأحكام الوضعية ، إلاّ أن رفعها لا يمكن إلاّ برفع منشأ انتزاعها وهو الأمر برمي الجمار بالترتيب ، ومعنى رفع هذا الأمر حال النسيان لحديث الرفع أن الله لم يأمره بالرمي بالترتيب أي يرفع حديث الرفع صحيحة معاوية بن عمّار الآمرة بالبدء بالجمرة الاُولى ثمّ الوسطى ثمّ العقبة ، وكذا ما دل على وجوب الإعادة لو نكس - على أنه لا مقتضي لرفعه لأنه ليس هو المنسي بل المنسي خصوص الترتيب - ولا يمكن لحديث رفع النسيان إلاّ رفع هذا الأمر ، لا إثبات أمر بالرمي بالفاقد للترتيب ليكون ذلك مجزياً وصحيحاً ، فاثبات صحته حينئذ يحتاج إلى دليل ، ولا دليل على الصحة . نعم ، لو كان يمكن رفع الشرطية من دون رفع منشأ انتزاعها بأن يرفع شرطية الترتيب دون أصل الأمر لكان المرتفع هو شرطية الترتيب ، والأمر بالرمي موجود ، فالاتيان بالرمي خلاف الترتيب نسياناً موجب للحكم بالصحة والاجزاء جزماً ، إلاّ أنّه كما عرفت غير ممكن ، لأن الشرطية مستقلاً غير قابلة للجعل والرفع وإنما هي منتزعة من الأمر برمي الاُولى ثمّ الوسطى ثمّ العقبة فلا يكون رفعها إلاّ برفع منشأ انتزاعها وهي صحيحة معاوية فمع رفعها لا أمر باق حتّى يكون الرمي بلا ترتيب صحيحاً ومجزياً فالممكن غير مقتض للصحة ، والمقتضي للصحة غير ممكن .
وهذا الجواب الملخص وإن كان يمكننا كتابته بدل الجواب المفصل الذي ذكرناه شرحاً لكلام السيد الاُستاذ إلاّ أن الطالب لا يصل إلى مغزى هذا الجواب الملخص إلاّ بذكر الجواب المفصل وبنائنا في الشرح هو أن يصل الطالب بنفسه إلى النتيجة لا ذكر النتيجة له دون سلّمها التي يمكن أن لا يصل إليها وإن ذكرت له .
( 1 ) موسوعة الإمام الخوئي 47 : 307 - 311 .