شرح
وأجبنا عنه في محلّه بأنه صحيح أن حديث الرفع لا يختص الرفع فيه بالأحكام التكليفية ، بل يعمها والوضعية لان أمرها بيد الجاعل المقدس وضعاً ورفعاً ، وكذا كل ما كان قابلاً للوضع والرفع ، إلاّ أن الجزئية والشرطية والمانعية غير قابلة للجعل والرفع ابتداءً ، فإنه لا يمكن جعل شيء جزءاً أو شرطاً لواجب أو مانعاً عنه أو شرطاً لموضوع حكم أو شرطاً في صحّة البيع أو صحّة معاملة اُخرى ، إذ لا يعقل أن يكون شيء شرطاً أو جزءاً لشيء أو مانعاً عنه مستقلاً ، وإنما الشرطية والجزئية والمانعية منتزعة من الأمر المتوجه لهذا الشيء ، كما لو أمر المولى بالصلاة وكان المأمور به مركباً من السورة وغيرها ، فتكون السورة جزءاً لا محالة ، وكذا لو أمر مقيداً بشيء كما لو أمر بالصلاة مع الطهارة ، فتكون الطهارة حينئذ شرطاً للواجب ، وكذا لو أمر مقيداً بعدم شيء كما لو أمر بالصلاة مقيداً بعدم القهقهة ، فتكون القهقهة حينئذ مانعة عن الصلاة ، وأما إذا فرضنا أن المركب لم يتألف من هذا وغيره فلا يعقل أن يكون هذا جزءاً له ، لأن الجزئية كما عرفت إنما تنتزع من الأمر بالمركب الذي يكون هذا في ضمنه أي مؤلفاً منه ومن غيره ، وعلى هذا فلا تنال يد الجعل الجزئية وأخواتها رفعاً ووضعاً إلاّ بجعل أو برفع منشأ انتزاعها ، فمعنى رفع الجزئية أو الشرطية أو المانعية رفع الأمر المؤلف من هذا وغيره ، فإذا قيل رفعت جزئية السورة في الصلاة فمعناه أن المأمور به غير مؤلف من السورة وغيرها ، أي أن الأمر لم يتعلق بالمركب ، كما هو كذلك في وقت الضيق بالنسبة للسورة ، فليست السورة وقت ضيق الوقت جزءاً للصلاة ، ومعنى ذلك أن الأمر حال الضيق إنما يتعلق بما سوى السورة ، وكذا الكلام في الشرط والمانع ، فإذا قيل في حالة كذا هذا ليس بشرط أو ذلك ليس بمانع فمعناه أن الأمر في تلك الحالة لم يتقيد بذلك الشيء أو بعدم ذلك المانع ، وإلاّ فالشرطية والجزئية والمانعية في نفسها غير قابلة لأن تنالها يد الجعل والرفع .
إذن فمعنى رفع الجزئية حال النسيان - أو رفع الشرطية أو المانعية حالته - عدم تعلق الأمر بالمؤلف منها ومن غيرها ، أو عدم كون الأمر بالصلاة مشروطاً بالطهارة ، أو عدم كون الأمر بالصلاة مقيداً بعدم القهقهة ، ومعنى ذلك أنه في حال النسيان لم يأمره الله سبحانه بالصلاة المركبة من السورة وغيرها ، أو لم يأمره الله سبحانه بالصلاة مشروطاً بالطهارة أو لم يأمره الله بالصلاة مقيداً بعدم القهقهة ، فالأمر ساقط لحديث الرفع ، وأما أن الصلاة الفاقدة للسورة نسياناً ، أو الفاقدة للطهور كذلك أو الواجدة للقهقهة نسياناً مأمور بها فهذا يحتاج إلى دليل ، ولا يمكن اثباته بحديث الرفع لما عرفت من تكفله الرفع فقط لا الاثبات ( 1 ) .
هامش
( 1 ) وعليه فيقال في المقام : إن رمي الجمار على خلاف الترتيب نسياناً غاية ما يقتضيه حديث الرفع رفع الأمر بالرمي