شرح
رواية أحمد بعينها على ما ذكرها في كتاب المغني ( 1 ) ، ومما يدلنا على أن الحكم مبني على التقية صحيحة صفوان المتقدمة قريباً الدالة على أن الأئمّة ( عليهم السلام ) كانوا يتقون في مسألة الكفّارة ، حيث إن فيها « سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكّة ، فقلت : لا أدري » ( 2 ) .
ومن الغريب جداً ما عن الشيخ في التهذيبين ( 3 ) حيث حمل هاتين الصحيحتين على أحد أمرين :
الأوّل : حملهما على من خرج من منى بعد نصف الليل - الذي تقدم أنه لا بأس - وهو مناف لما هو المفروض في الرواية من الفوت ، فإنه على ذلك لم يفته المبيت ولم يسئ ، وقلنا إن الواجب هو الكون في منى إما النصف الأوّل أو النصف الثاني من الليل .
الثاني : حملهما على ما إذا كان مشتغلاً بالعبادة في مكّة إلى طلوع الفجر ، وهو مناف للفوت المفروض فيهما أيضاً والإساءة في الثاني منهما ، لأن الفوت إنما يكون بترك الواجب ، وأما إذا لم تكن وظيفته ذلك وجاز له الاشتغال بالعبادة في مكّة فلا يصدق الفوت ، فكيف بصدق الإساءة . فالصحيح ما ذكرنا من تقييدهما أو حملهما على التقية ، ونتيجة ذلك كله هو وجوب الكفّارة عن كل ليلة بشاة .
ثمّ إن بعضهم ( 4 ) احتمل في وجوب الكفّارة أن يبيت في مكّة أو في غير منى في مجموع الليل لأنه هو معنى البيتوتة ، وأمّا إذا بات بعضه دون بعض كمن خرج بعد دخول الليل من منى وبات في مكّة غير مشتغل بالعبادة ، فهو وإن كان آثماً وتاركاً لما هو وظيفته إلاّ أنّه لا دليل على وجوب الكفّارة عليه ، لأن دليل ثبوتها إنما هو فيما إذا بات تمام الليل في غير منى ، وهذا لم يبت تمام الليل في غير منى .
وفيه : انّ ظاهر الروايات بوضوح سيما صحيحة معاوية بن عمّار أن من ترك البيتوتة - في غير ما هو جائز - في النصف الأوّل من الليل أو في النصف الثاني فعليه دم ، قال ( عليه السلام ) : « لا تبت ليالي التشريق إلاّ بمى ، فإن بت في غيرها فعليك دم ، فإن خرجت أوّل الليل فلا ينتصف الليل إلاّ وأنت في منى ، إلاّ أن يكون شغلك
هامش
( 1 ) المغني لابن قدامة 3 : 482 .
( 2 ) الوسائل ج 14 : 252 باب 1 من أبواب العود إلى منى ح 5 ، وقد قال السيد الاُستاذ ( قدس سره ) حسبما أشرنا إليه في الهامش فيما تقدم « أن المراد من بعضهم في هذه الرواية هو بعض أبناء العامّة » . وهو واضح لأنه ( عليه السلام ) لا يقول لا أدري إلاّ تقية .
( 3 ) التهذيب 5 : 257 / 875 ، الاستبصار 2 : 293 / 1042 .
( 4 ) وهو المحقق النائيني في دليل الناسك ( المتن ) : 436 .