شرح
وأما القسم الثاني : وهو الصرورة ففيه خلاف واضح أيضاً .
ذهب المشهور إلى التخيير ، ولكن يتأكد استحباب الحلق له .
واختار جماعة لزوم الحلق ، منهم الشيخ ( 1 ) وابن حمزة ( 2 ) .
واطلاق الآية يقتضي الأوّل ، فلابدّ للقول الثاني من دليل .
استدل على ذلك بعدة روايات ، والكلام فيها في مقامين :
الأوّل : في دلالة هذه الروايات على تعين الحلق عليه .
الثاني : على فرض الدلالة فهل يجب العمل بظاهرها ، أو لابدّ من حملها على الاستحباب بقرينة خارجية .
أمّا الكلام في المقام الأوّل : فاستدل على تعين الحلق بعدة روايات :
منها : صحيحة معاوية بن عمّار المتقدمة « ينبغي للصرورة أن يحلق ، وإن كان قد حجّ فإن شاء قصّر وإن شاء حلق ، فإذا لبّد شعره أو عقصه فإنّ عليه الحلق ، وليس له التقصير » ( 3 ) فإن كلمة « ينبغي » وإن أمكن أن يقال إنها في نفسها غير دالة على الوجوب وإن استعملت فيه في بعض الموارد ، إلاّ أنّ مقابلتها للقسم الثاني وهو غير الصرورة تقتضي إفادتها الوجوب ، وحملها على الاستحباب بعيد لثبوت الاستحباب في غير الصرورة أيضاً على ما عرفت من دلالة الروايات على ذلك .
أقول : ما ذكر من دلالة الرواية على الوجوب جميل لا غبار عليه ، إلاّ أنّ ذيل الصحيحة وهو قوله : « فإذا لبد شعره أو عقصه فإن عليه الحلق وليس له التقصير » يوجب رفع اليد عن حمل كلمة « ينبغي » على الوجوب ، فإن تعبيره ( عليه السلام ) ب « أن عليه » دال على أن ما قبله لم يكن ممّن لابدّ عليه ، فتحمل على الاستحباب ، ولكن الاستحباب في الصرورة أشد من غيره . وإطلاق صحيحة معاوية الثانية يؤكد هذا المعنى ، فإن فيها « إذا أحرمت فعقصت شعرك أو لبّدته فقد وجب عليه الحلق ، وليس لك التقصير ، وإن أنت لم تفعل فمخير لك التقصير » فإنها دالة على أن غير الملّبد والمعقوص مخيّر ، واطلاقه يشمل الصرورة . فليس في صحيحة معاوية دلالة على تعين الحلق في حق الصرورة .
هامش
( 1 ) في المبسوط 1 : 504 قال : « وإذا فرغ من الذبح حلق بعده إن كان صرورة ، ولا يجزيه غير الحلق ، وقد تقدم معناه . وإن كان حج حجّة الإسلام جاز له التقصير ، والحلق أفضل » .
( 2 ) الوسيلة : 186 .
( 3 ) الوسائل ج 14 : 221 باب 7 من أبواب الحلق والتقصير ح 6 .