شرح
من أن الأمر في مقام توهم الحظر ، حيث إن الأكل منها كان محرّماً في الجاهلية ، لا يمكن المساعدة عليه بوجه ، فإنه لم يثبت التحريم في الجاهلية وإن ذكره الزمخشري وغيره ، إلاّ أنّه مجرد نقل ( 1 ) ، وعلى تقدير ثبوته فهو غير موجب لتوهم الحظر في الإسلام الناسخ لأحكام الجاهلية ( 2 ) ، وعليه فلا موجب لرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب .
إلاّ أنّ المشهور بما أنه قائل بالاستحباب فلذا قلنا بالاحتياط .
الجهة الثانية : في وجوب التقسيم إلى ثلاثة أقسام وعدمه ، بمعنى أنّه هل يجب الاهداء أيضاً ، أو يكتفى بالصدقة والأكل بناءً على الوجوب ؟
ذهب جماعة إلى وجوب الاهداء كما لابدّ من الصدقة والأكل .
وعن ابن إدريس ( 3 ) وغيره أنه يكتفى بالأكل ولو قليلاً والصدقة ، ولا يجب الاهداء ، فلا يجب التقسيم
هامش
من مواساة الفقراء ومساواتهم ومن استعمال التواضع ، ومن ثمّ استحبّ الفقهاء أن يأكل الموسع من اُضحيته مقدار الثلث » تفسير الكشاف 3 : 154 .
( 1 ) بل الثابت عدمه فإنه ذكر الدكتور جواد علي في المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام « ومن الشعائر المتعلقة بمنى نحر الذبائح وهي الأضحية في الإسلام و ( العتائر ) في الجاهلية ، ولذا عرف هذا العيد عيد الحج ب ( عيد الأضحى ) ، وعرف اليوم الذي تضحى به الأضحية بيوم النحر وب ( الأضحى ) وب ( يوم الأضحى ) وكانوا ينحرونها على الأنصاب وعلى مقربة من الأصنام ، فتوزع على الحاضرين ليأكلوها جماعة أو تعطى للافراد ، وقد تترك لكلواسر الجو وضواري البرّ فلا ( يصد عنها انسان ولا سبع ) وتبلغ ذروة الحج عند تقديم العتائر لأنها أسمى مظاهر العبادة في الأديان القديمة ، وكان الجاهليون يقلدون هديم بقلادة أو بنعلين يعلقان . . . » المفصّل في تأريخ العرب قبل الإسلام 6 : 287 .
( 2 ) بعض الأحكام التي كانت في الجاهلية أقرها الإسلام ، فلذا ليس الإسلام ناسخاً لجميع أحكام الجاهلية حتّى لا يكون احتمال الحرمة قائماً فإن بعض روايتنا تذكر أن بعض أحكام الجاهلية أقرها الإسلام ككون الطواف سبعة أشواط ونحوه ، مضافاً إلى أنه يشهد بذلك التاريخ مفصلاً ، راجع المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ح 2 : 287 وغير هذه الموارد موارد كثيرة ذكرت في هذه الموسوعة ولسنا في صدد حصرها مع كثرتها . فاحتمال الحرمة مع ذلك موجود ، إلاّ أن مجرد الاحتمال مع وجود ما يدل على عدم الحرمة لا أثر له في رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب . وفي لسان العرب « وفلان هَدْيُ بني فلان وهَدِيَّهم أي جارهم يحرم عليهم منه ما يحرم من الهدي . . . قال زهير : فلم أرَ معشراً أَسرُوا هَدِيّاً ، ولم أرَ جارَ بيت يُستباءُ . قال الأصمعي في تفسير هذا البيت : هو الرَّجل الذي له حرمة كحرمة هَدِيَّ البيت ، ويستباء : من البواء ، أي القوَد ، أي أتاهم يستجير بهم فقتلوه برجل منهم » . لسان العرب 15 : 63 مادة هدي . وهذا أيضاً لا يعدو احتمال حرمة الأكل من الهدي ، ولعل المراد بما يحرم من الهدي منعه من أي أحد حيث لا يصد عنه انسان ولا سبع ولا كواسر الجو ولا ضواري البر .
( 3 ) السرائر 9 : 390 . طبعة مكتبة الروضة الحيدرية .