شرح
الاستنابة رتبة عن إمكان الرجوع بنفسه كما عليه المشهور ؟ حمل الشيخ ( 1 ) صحيح محمّد بن مسلم ورواية زيد الشحام على تعذر الرجوع ، وأشكل على ذلك النراقي ( 2 ) بأنه لا موجب للتقييد المزبور ، سيما أن المذكور في كلتا الصحيحتين الجملة الخبرية ، فلابدّ من الحكم بالتخيير من الأوّل .
أقول : الصحيح ما ذهب إليه المشهور ، فإنه وإن لم يتعرضوا لوجه الحمل المزبور إلاّ أن الوجه موجود ، سواء كان نظر المشهور إليه أم لا ، وهو أن الوجوب هنا نفسي لا شرطي وإرشاد إلى الجزئية والشرطية ، فإن الأمر والنهي في أجزاء المركب كالأمر بالاستقبال والتشهد والتسبيح في الصلاة ، وإن كان بصيغة الأمر والنهي ، إلاّ أنّه ليس في الواقع أمر ولا نهي ، بل هو ارشاد إلى الجزئية والشرطية في الأمر وإلى المانعية في النهي ، ومثل هذا الأمر - الذي هو ليس بأمر تكليفي ، بمعنى أنّه ليس واجباً نفسياً تكليفياً مولوياً - لا يتقيد بالقدرة أو بحال دون حال بل يعم الناسي والعامد والعالم ، فإذا اُمرنا بالاستقبال في الصلاة ، مقتضى شرطية الاستقبال أن الاستقبال شرط على الاطلاق ، كان المكلف ملتفتاً إلى ذلك أم لا ، فلا تسقط الشرطية حال النسيان والغفلة ، وكذا الجزئية والمانعية ، ومقتضى ذلك أنّه لو ترك جزءاً أو شرطاً أو أتى بمانع سهواً أو نسياناً يحكم ببطلان العمل ، لعدم امكان الاجتزاء بالناقص عن الكامل إلاّ بدليل خاص كحديث « لا تعاد » في الصلاة ، فإن الاستقبال ليس من الخمسة التي منها تعاد الصلاة ، ولولا هذا الحديث لكان لابدّ من الحكم بالبطلان .
وأما إذا كن الأمر أمرا وجوبيا مولويا كما في المقام ، فإن المفروض أن الحج صحيح جزما ، والكلام فيما يجب عليه هل هو السعي بنفسه أو هو مخير بينه وبين الاستنابة ، وليس هذا الوجوب وجوبا إرشاديا إلى شيء ، وإنما هو أمر بالقضاء ، وبما أن التكليف مشروط بالقدرة فمع التعذر يسقط التكليف ، وكذا مع التمكن بعسر ومشقة . إذن قدليل وجوب القضاء بالسعي بنفسه وهوصحيحة معاوية بن عمار بنفسه مقيد بالقدرة وعدم العسر لا محالة ، فلا وجوب في فرض التعذر والحرج ، فتكون نسبتها مع صحيحة محمد بن مسلم نسبة الخاص إلى العام ، فإن صحيحة محمد بن مسلم أمرت بالاستنابة مطلقا كان قادرا على الرجوع أم لا ، فتتقيد بما إذا لم يكن قادرا على الرجوع بنفسه ، والنتيجة كما ذكره المشهور أنه إن كان قادرا يرجع
هامش
( 1 ) ذكر الشيخ هذا الحمل بعد تعرضه إلى صحيحة معاوية بن عمّار وقبل التعرض إلى رواية زيد الشحام في التهذيب 5 : 150 / ذيل ح 492 ، وذكره أيضاً بعد التعرض إلى رواية زيد الشحام وصحيحة معاوية بن عمّار معاً في الاستبصار 2 : ذيل ح 830 .
( 2 ) تقدم نقل عبارته ، المستند 12 : 176 .