شرح
أما ما ذكره المفيد ( قدس سره ) فلا يمكن الاستدلال له بهذه الصحيحة ، إذ إن موردها المتمتع الذي دخل مكّة وفصّل فيه ( عليه السلام ) بين الجاهل والعالم ، وعلى فرض العلم فصل ( عليه السلام ) بين الحلق في شهر شوال وبين الحلق فيما بعده ، وأين هذا من محل الكلام الذي هو بعد لم يذهب إلى مكّة ولم يتلبس بالإحرام ولم يختص بحجّ التمتع ، على أنّه لو كان الحلق قبل الإحرام موجباً لاهراق دم لذاع وشاع ولم يكن حكمه خافياً على أحد لكثرة الابتلاء به ، والحال إنّه لم ينسب إلاّ إلى المفيد .
وأما فقه الحديث : فقد فصّل ( عليه السلام ) بين الجاهل وغيره ، وفصل في غير الجاهل بين من ارتكب الحلق في أوّل أشهر الحجّ وبين من ارتكبه بعد الثلاثين التي يوفر فيها شعره ، فقال ( عليه السلام ) : « وإن تعمّد ذلك في أوّل الشهور للحجّ بثلاثين يوماً فليس عليه شيء » وأوّل الشهور للحجّ بثلاثين يوماً هو شهر شوال ، فيكون المعنى حينئذ أنّه لو حلق رأسه عالماً عامداً في شوال وكان في مكّة بعد أعمال عمرة التمتع فلا بأس به ، ثمّ قال ( عليه السلام ) « وإن تعمد بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحجّ فإن عليه دماً يهريقه » .
فنقول : إن كلمة « التي » هل هي صفة للثلاثين كما تقتضيه القاعدة الأدبية ، فالمراد الحلق في شهر ذي الحجّة ، لأن الثلاثين التي يوفر فيها شعره من أوّل شهر ذي القعدة ( 1 ) وبعده بثلاثين يوماً يكون أوّل ذي الحجة ، فالمعنى حينئذ : وإن حلق في ذي الحجة فعليه الكفّارة ، فيكون شهر ذي القعدة مسكوتاً عنه ، لأن المذكور في الصحيحة الحكم بجواز الحلق في شوال والمنع منه في ذي الحجة ، فذو القعدة مسكوت عنه ، وهو بعيد في نفسه ، فهذا الاحتمال غير وجيه ، على أن التعبير عن شهر ذي الحجة بقوله بعد الثلاثين التي يوفر فيها شعره تعبير غريب .
أو أن كملة " التي " صفة لقوله " بعد " كما هو الظاهر وإن كان خلاف القاعدة النحوية ، فيكون المعنى : وإن كان الحلق بعد شوال ، أي وإن كان الحلق في ذي القعدة وهو الشهر الذي يوفر فيه شعره ، فتكون الألف واللام في الثلاثين إشارة إلى الثلاثين من أول أشهر الحج . فالرواية مفصلة بين الحلق في شهر شوال فلا بأس به وبين الحلق في شهر ذي القعدة وهو الذي فيه البأس . والنتيجة : إن المتلبس بالإحرام إذا دخل مكة ولا يجوز دخول مكة في أشهر الحج للمتمتع إلا معتمرا بعمرة التمتع - فإذا حلق رأسه بدل التقصير فإن كان جاهلا فلا شيء عليه ، وإن تعمد ذلك فإن كان في شوال فلا بأس به ولا شيء عليه ، وإن كان بعده ففيه البأس وعليه دم بهريقه . ولا مانع من الالتزام بذلك مع عدم الإجماع على الخلاف ، وإلا فتسقط الرواية . وعلى كل حال ، الرواية كما عرفت أجنبية عن الحلق في شهر ذي القعدة قبل التلبس بالإحرام الذي هو المدعى ،
هامش
( 1 ) بمقتضى الصحيحتين المتقدمتين في أوّل البحث .