شرح
والروايات الواردة في المقام ظاهرة في الوجوب كما ذكره الماتن ، إذ إن ظاهر النهي التحريم ، فيكون عدم الأخذ واجباً ، إلاّ أنّه بإزائها روايات صرحت بالجواز عمدتها معتبرة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ( عليه السلام ) قال : « سألته عن الرجل إذا همّ بالحجّ ، يأخذ من شعر رأسه ولحيته وشاربه ما لم يحرم ؟ قال : لا بأس » ( 1 ) وهي واضحة الدلالة على أن حدّ الحرمة هو الإحرام ، فما لم يحرم يجوز له الأخذ من الشعر ، فدلالتها على أن النهي في الروايات السابقة تنزيهي لا تحريمي واضحة . كما أنها صحيحة السند كما عبر عنها صاحب الجواهر بالصحيحة ( 2 ) لأن صاحب الوسائل رواها عن كتاب علي بن جعفر ( 3 ) وطريقه إلى الكتاب ينتهي إلى الشيخ الطوسي والطريق صحيح ، كما أن طريق الشيخ إلى كتاب علي بن جعفر صحيح أيضاً ، فالرواية صحيحة ، هذا أوّلاً .
وثانياً : لو لم يكن لنا دليل على الجواز وكانت الأدلة منحصرة بما دل على النهي فلابدّ من حمل النهي على الكراهة ، لأنه لو كان الأخذ حراماً لكان أمراً واضحاً شائعاً يجتنبه الجميع ، فكيف والقائل شاذ ، والسيرة جارية على الجواز ، وذلك كله موجب لحمل النهي في هذه الروايات على الكراهة ، ولأجل ذلك أيضاً يحمل ما دل على قص الأظفار وحلق العانة والأخذ من اللحية والشارب ونتف الأبط قبل الإحرام على الاستحباب وإن كان الوارد في الروايات الأمر بها ( 4 ) فإنه لو كان ذلك واجباً قبل الإحرام لكان أمراً واضحاً شائعاً ، في حين أن السيرة قائمة على عدم الوجوب ، وذلك كله موجب لحمل الأمر فيها على الاستحباب .
الجهة الخامسة : فيما ذكره المفيد ( قدس سره ) من أنّه لو حلق قبل الإحرام وجب عليه دم يهريقه كفارة بناءً على وجوب التوفير الذي ذهب إليه .
ذكر الماتن عدم الوجوب ، وإن كان أحوط لذهاب بعضهم إلى الحرمة استناداً إلى صحيحة جميل بن دراج قال : « سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن متمتع ، حلق رأسه بمكّة ؟ قال : إن كان جاهلاً فليس عليه شيء ، وإن تعمّد ذلك في أوّل الشهور للحجّ بثلاثين يوماً فليس عليه شيء ، وإن تعمّد بعد الثلاثين التي يوفر فيها للحجّ
فإن عليه دماً يهريقه » ( 5 ) .
أقول : يقع الكلام أوّلاً في دلالتها على ما ذكره المفيد ، وثانياً في فقه الحديث في نفسه .
هامش
( 1 ) الوسائل ج 12 : 320 باب 4 من أبواب الإحرام ح 6 .
( 2 ) الجواهر 18 : 172 .
( 3 ) مسائل علي بن جعفر : 176 / 319 .
( 4 ) الوسائل ج 12 : 322 باب 6 من أبواب الإحرام .
( 5 ) الوسائل ج 12 : 321 باب 5 من أبواب الإحرام ح 1 .