شرح
فمن الروايات التي استظهر منها الجواز صحيحة الحلبي ، قال : « سألت أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن المُحرم يركب في القبة ؟ قال : ما يعجبني ذلك إلاّ أن يكون مريضاً » ( 1 ) بحمل كلمة « ما يعجبني » على الاستحباب .
وفيه : إنه ليس في ذلك أي دلالة على الاستحباب ، بل تستعمل هذه الكلمة في مقام المبغوضية .
ومنها : صحيحة علي بن جعفر ، قال : « سألت أخي ( عليه السلام ) اُظلل وأنا مُحرم ؟ فقال : نعم ، وعليك الكفّارة » ( 2 ) ، وهي غير دالة على شيء ، فإنها قضية شخصية ، ولعل علي بن جعفر كان مريضاً أو كان عدم التظليل عليه حرجياً ، فلا يستفاد منها حكماً كلياً .
ومنها : صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « لا بأس بالظلال للنساء ، وقد رخص فيه للرجال » ( 3 ) .
وفيه : أنه لا يمكن أن يكون التظليل مرخصاً فيه دائماً ، وإلاّ لكان الكلام غير مناسب للإمام ( عليه السلام ) ولقال لا بأس بالتظليل للنساء والرجال ، فالتفكيك بينهما دال على الترخيص للرجال في مقام الضرورة ، بل كلمة الترخيص ظاهرة في ذلك ، فلا تكون دالة على الجواز المطلق .
ومع الاغماض عن ذلك وفرض أن الروايات صريحة في الدلالة على الجواز المطلق فتعارض ما دل على عدم الجواز ، ولا شك في أن الترجيح مع المانعة الآبية عن الحمل على الكراهة ، على أن العامّة ذهبوا إلى جواز التظليل كما يستفاد ممّا وقع بين الإمام الصادق ( عليه السلام ) وأبي يوسف وأبي حنيفة ( 4 ) فتحمل الروايات
هامش
( 1 ) الوسائل ج 12 : 517 باب 64 من أبواب تروك الإحرام ح 5 .
( 2 ) الوسائل ج 13 : 154 باب 6 من أبواب بقية كفارات الإحرام ح 2 .
( 3 ) الوسائل ج 12 : 518 باب 64 من أبواب تروك الإحرام ح 10 .
( 4 ) وهي عدة روايات :
منها : ما عن محمّد بن الفضيل وبشير بن إسماعيل قال : « قال لي محمّد : ألا أسرك يا ابن مثنى ؟ فقلت : بلى ، فقمت إليه فقال لي : دخل هذا الفاسق آنفاً فجلس قبالة أبي الحسن ( عليه السلام ) ثمّ أقبل عليه ، فقال : يا أبا الحسن ، ما تقول في المُحرم يستظل على المحمل ؟ فقال له : لا ، قال : فيستظلّ في الخباء ؟ فقال له : نعم ، فأعاد عليه القول شبه المستهزئ يضحك : يا أبا الحسن فما فرق بين هذا ؟ فقال : يا أبا يوسف ، إن الدين ليس يقاس كقياسكم ، أنتم تلعبون إنّا صنعنا كما صنع رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) وقلنا كما قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يركب راحتله فلا يستظل عليها ، وتؤذيه الشمس فيستر بعض جسده ببعض ، وربما يستر وجهه بيده ، وإذا نزل استظل بالخباء وفي البيت وبالجدار » ، الوسائل ج 12 : 520 باب 66 من أبواب تروك الإحرام ح 1 .