شرح
فرض رفع اليد عن الظهور وتقديم التقييد على المجاز فما هو الموجب للتقييد بالعجز والتمكن مع عدم أي أثر لذلك في الروايات ؟ ولماذا لا يكون التقييد بكبر النعامة وصغرها ، فإن كانت كبيرة صام ستين يوماً ، وإن كانت صغيرة صام ثمانية عشر يوماً ، ونحو ذلك ؟
إذن فالصحيح ما ذهب إليه جماعة من الأخذ بروايات صوم ثمانية عشر يوماً ، لأنّها نص في الاجتزاء بذلك ، ويكون ذلك قرينة على أن المراد من الأمر بصوم ستّين يوماً هو الأفضلية ، كما هو الحال في جميع موارد دوران الأمر بين الأقل والأكثر حيث يؤخذ بالأقل ويحمل الزائد على الاستحباب .
ومع الإغماض عن ذلك أيضاً وفرض أن الروايات متعارضة فلابد من تقديم روايات صوم ثمانية عشر يوماً ، لموافقتها للكتاب العزيز فإن المذكور في قوله تعالى ( فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْل مِنكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِيَاماً ) ( 1 ) والمذكور قبل ذلك بقليل ( 2 ) هو كفّارة اليمين وأنّها اطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ، وجعل العدل فيها لاطعام عشرة مساكين صوم ثلاثة أيام ، فطبعاً يكون عدل اطعام الستين صوم ثمانية عشر يوماً كما صرّح بهذا المضمون في صحيحة معاوية بن عمّار ، « قال قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : من أصاب شيئاً فداؤه بدنة من الإبل فإن لم يجد ما يشتري بدنة فأراد أن يتصدّق فعليه أن يطعم ستّين مسكيناً كلّ مسكين مدّاً ، فإن لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك ثمانية عشر يوماً ، مكان كلّ عشرة مساكين ثلاثة أيّام . ومن كان عليه شيء من الصيد فداؤه بقرة فإن لم يجد فليطعم ثلاثين مسكيناً ، فإن لم يجد فليصم تسعة أيّام . ومن كان عليه شاة فلم يجد فليطعم عشرة مساكين ، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيّام » ( 3 ) فإنّها واضحة الدلالة على أنّ البدل لإطعام عشرة مساكين في كلّ ذلك صوم ثلاثة أيّام ، فبدل إطعام ستين مسكيناً حينئذ صوم ثمانية عشر يوماً .
نعم ، ذكر في كفّارة الظهار أن الواجب أولاً هو تحرير رقبة ، فمن لم يجد فصوم شهرين متتابعين ، فإذا لم يتمكن فاطعام ستين مسكيناً ، ولكن في هذه الكفّارة الاطعام بدل الصيام ، وفي محل الكلام الصيام بدل الإطعام .
هامش
( 1 ) المائدة : 95 .
( 2 ) أي قوله تعالى ( لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَة فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّام ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ ) المائدة : 89 .
( 3 ) الوسائل ج 13 : 13 باب 2 من أبواب كفّارات الصيد ح 13 .