لكن الظاهر بعد عدم الإشكال في عدم وجوب مقارنتها للنيّة ولبس الثوبين استحباب التعجيل بها مطلقاً ( 1 ) وكون أفضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها ، فالأفضل أن يأتي بها حين النية ولبس الثوبين سرّاً ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة . والبَيداء أرض مخصوصة بين مكّة والمدينة على ميل من ذي الحليفة نحو مكّة ، والأبطح مسيل وادي مكّة وهو مسيل واسع فيه دقائق الحَصى أوّله عند منقطع الشعب بين وادي منى وآخره متصل بالمقبرة التي تسمى بِالعُلى عند أهل مكّة ، والرَقطاء موضع دون الرَدم يسمى مَدعى ، ومدعى الأقوام مجتمع قبائلهم ، والردم حاجز يمنع السيل عن البيت ويعبر عنه بالمدعى .
شرح
معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « إذا انتهيت إلى الردم ، وأشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى » ( 1 ) ومحل كلامنا تأخير التلبية إلى الأبطح لا تأخير الجهر بها ، وعليه فلا دليل على جواز تأخير التلبية إلى الأبطح .
( 1 ) ذكر الماتن هنا أن عدم جواز تأخير التلبية بلا إشكال إنما هو لو قلنا بوجوب مقارنة التلبية للنية ، لأنّه يلزم على هذا تأخير التلبية ، ومعنى اعتبار مقارنتها للنية عدم جواز تأخيرها عنها ، فلا يجوز تأخير التلبية حينئذ ، وأمّا بناءً على على عدم وجوب مقارنة التلبية للنيّة كما قوّاه هو فالظاهر أنه يستحب التعجيل بالتلبية ، وكون أفضلية التأخير إنما هو بالنسبة إلى الجهر بها لا بالنسبة إلى نفس التلبية .
ولكن أقول : إن كان مراد الماتن من كلامه هذا هو ما يذكره بعده من أن « الأفضل أن يأتي بها حين النية ولبس الثوبين سرّاً ويؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة » فيكون استحباب التعجيل بها هو عدم تأخير التلبية عن النية التي يأتي بها من نفس المسجد ، فليلبي بعد النيّة فوراً فيه ولا يؤخر التلبية عن النية في المسجد - لا أفضلية التعجيل بها عن تأخيرها إلى البيداء - والدال على استحباب التعجيل هذا هو استباق الخيرات والمسارعة إلى المغفرة ، فلا كلام لنا فيه ، وإن كان هذا المعنى خلاف الظاهر .
وإن كان مراده من جواز تأخير التلبية تأخير نفس التلبية إلى البيداء وإن كان تقديمها في نفس المسجد مستحباً - وهو الظاهر من ذكر هذه المسألة لبيان استحباب تأخير التلبية إلى البيداء ( 2 ) - فهذا لا يمكن
هامش
( 1 ) الوسائل ج 12 : 397 باب 46 من أبواب الإحرام ح 4 .
( 2 ) أقول : الماتن وإن ذكر هذه المسألة التي هي تأخير التلبية إلاّ أنّه نسب أفضلية تأخير التلبية إلى البيداء إلى جماعة ولم يتبناه هو ، ومن ذكره للاتيان بها حين النية ولبس الثوبين سرّاً في نفس مسجد الشجرة وتأخير الجهر بها إلى البيداء لم يعلم أن مراده الأوّل لا الثاني ، أي لا أفضلية التعجيل بها من تأخيرها إلى البيداء ، فإن ذلك لم يتبناه هو