شرح
المسجد هي المستحبة لأن المفروض ان الواجبة لا يمكن أن يكون المُحرم محرماً إلاّ بها .
والظاهر أنّ هذا الحمل لا يساعد عليه العرف ، لأنّ بعض الروايات صريحة في تأخير تلبية الإحرام لا التلبية المستحبة ، كما في صحيحة عبد الله بن سنان فإنها صريحة في أن النبيّ ( صلى الله عليه وآله ) أخر التلبية الواجبة إلى البيداء أي تلبية الإحرام ، بل في بعضها النهي عن التلبية والإحرام في المسجد كما في صحيحة معاوية بن عمّار حيث قال : « لا تفعل » أي لا تحرم ولا تأتي بالتلبية حتى تأتي البيداء ، على أن حمل التلبية في بقية الروايات على التلبية المستحبة بعيد جداً .
وأبعد من هذا الحمل حمل هذه الروايات الدالة على لزوم تأخير التلبية إلى البيداء على الإجهار بها لأن ذلك لم يذكر في شيء من الروايات ، بل المذكور فيها نفس التلبية لا الإجهار بها ، ولا معنى لحمل التلبية على الإجهار بالتلبية ( 1 ) .
فلا مانع من الالتزام بهذه الروايات المستفضية جداً الدالة على التأخير في الجملة عن مسجد الشجرة إلى ميل أو إلى الاستقرار على الراحلة ، الصريحة في أن المراد من التأخير تأخير التلبية الواجبة لا المستحبة ولا الاجهار بها ، فلابد من العلاج بينها وبين ما دل على النهي عن تجاوز الميقات بلا إحرام .
فنقول : إن منافاتها للروايات الناهية عن التجاوز عن الميقات بلا إحرام إنما هو لو لم تقبل الروايات الناهية عن التجاوز عن الميقات بغير إحرام التخصيص ، والحال إنها قابلة له ، فيستثنى من عدم جواز تجاوز الميقات بغير إحرام ما إذا كان المكلف بانياً على الإحرام من مسجد الشجرة بعد قليل ، فيجوز حينئذ تجاوز مسجد الشجرة بلا إحرام فلا منافاة ، وبما أن الإحرام من الميقات جائز جزماً كما تقدم فتكون الروايات التأخير عن مسجد الشجرة محمولة على الأفضلية ، وإن كان الأحوط تقديم الإحرام من مسجد الشجرة خروجاً عن شبهة الخلاف . هذا لمن حج عن طريق المدينة .
وأما من حج عن طريق آخر فذكر الماتن أن بعضا قال بأفضلية تأخير التلبية إلى أن يمشي قليلا ، كما
هامش
( 1 ) الكلام هنا في تأخير التلبية إلى البيداء لا في تأخيرها في إحرام الحج إلى الرقطاء أو قبل أن يصير إلى الأبطح والظاهر أنه ليس في الروايات ما يدل على تأخير الجهر بها إلى البيداء ، وأمّا في تأخير الجهر بالتلبية إلى الأبطح فحسنة معاوية بن عمّار دالة عليه بالصراحة ، قال ( عليه السلام ) « وأشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية » الوسائل ج 12 : 408 باب 52 من أبواب الإحرام ح 1 ولأجلها حمل صاحب الجواهر ما دل على أفضلية تأخير التلبية عن المقام في المسجد الحرام « حتى تأتي الرقطاء وتلبي قبل أن تصير إلى الأبطح » كما في صحيحة حفص الوسائل ج 12 : 396 باب 46 من أبواب الإحرام ح 1 - على أفضلية الجهر بها إذا أشرف على الأبطح . الجواهر 18 : 283 .