تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الواضح في شرح العروة الوثقى ( الحج ) — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
فلو حجّ عن غيره مع تمكّنه من الحجّ لنفسه بطل على المشهور ، لكن الأقوى أن هذا الشرط إنّما هو لصحّة الاستنابة والإجارة ، وإلاّ فالحج صحيح وإن لم يستحق الاُجرة ، وتبرأ ذمّة المنوب عنه على ما هو الأقوى من عدم كون الأمر بالشيء نهياً عن ضده ، مع أن ذلك على القول به وإيجابه للبطلان إنّما يتمّ مع العلم والعمد ، وأمّا مع الجهل والغفلة فلا ، بل الظاهر صحّة الإجارة أيضاً على هذا التقدير ، لأنّ البطلان إنما هو من جهة عدم القدرة الشرعيّة على العمل المستأجر عليه حيث إنّ المانع الشرعي كالمانع العقلي ، ومع الجهل أو الغفلة لا مانع لأنّه قادر شرعاً .
شرح
فإن الأمر بالحج له فعلاً إمّا حجة الإسلام أو حجة النذر معجز عن الحجّ النيابي ، لأنهما متضادان فيتزاحمان ، وحيث إن المختار عندنا جواز الأمر بالضدين على نحو الترتب ، فيجوز أن يكون كل منهما مأموراً به أحدهما بأمر مطلق وهو حجة الإسلام أو الحجّ النذري ، والثاني وهو الحجّ النيابي بأمر مشروط بترك الأمر الأوّل وعصاينه ، ولا مانع من الأمر بالضدين على نحو الترتب ، فإن عصى وأتى بالحج النيابي صح وأجزأ عن المنوب عنه وإن كان قد عصى بترك حج نفسه . وأما الثاني : وهو صحة الإجارة وعدمها فالأمر كما ذكره ( قدس سره ) أيضاً من البطلان ، ولا يمكن الحكم بصحتها بالترتب ، لأن الذي أوقعه المكلف وملّك غيره بعقد الإيجار إنما هو النيابة عن الغير غير مقيدة بعصيان الأمر الأوّل ، فمتعلق الإجارة مطلق ولا يمكن تعلق الإمضاء به لاستلزامه الأمر بالضدين ، لأن أمره بحجة الإسلام أو الحجّ النذري مطلق هذا العام ، فإذا اُمضي عقد إجارته المطلق أيضاً لزم أن يأتي بالحج النيابي مطلقاً أيضاً فيلزم الأمر بالضدين ، وأما التمليك على تقدير العصيان فلم يكن هو المنشأ تمليكه من النائب للطرف الآخر حتى يمضى ، فما اُنشئ غير قابل للامضاء وما هو قابل للامضاء غير منشأ ، ولكن هذا لا ينافي استحقاقه للأجرة لأنه يدخل في كبرى العقد الفاسد ، وأن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده ، فيستحق اُجرة المثل لا المسماة . ثم إنه على تقدير تمامية ما ذكره المشهور من بطلان الحجّ النيابي للمزاحمة ، فهو إنما يتم لو كان الأمر بالحج عن نفسه منجزاً ، كما لو كان عالماً يوجوب الحجّ عن نفسه وهو مستطيع ، وكذا لو كان جاهلاً مقصراً ، وأما لو كان جاهلاً لشبهة حكمية أو موضوعية بأن لم يكن يعلم بأنه مستطيع ، فحينئذ لا يكون وجود الأمر الواقعي بحجّة الإسلام مثلاً مانعاً من صحّة عمله النيابي ، وليس هذا من موارد الأمر بالضدين ، لأن أحدهما هنا ظاهري والآخر واقعي ، فلا يكون الأمر الواقعي غير المنجز معجزاً للأمر الآخر ، فيحكم هنا بصحة الإجارة أيضاً لعدم تنجز الأمر الواقعي ، وأظهر من ذلك الغفلة الموجبة لسقوط الأمر الواقعي ، فلا يكون له أمر بالحج عن نفسه ، ففي مثل ذلك لا مانع من صحة عمله وصحة الإجارة واستحقاقه الأجرة المسماة .
الواضح في شرح العروة الوثقى ( الحج ) — صفحة 37 | الشيخ محمد الجواهري