شرح
نفسه ، وليس الخاص وجوداً للعام وزيادة ، فلو قال : اعتق رقبة مؤمنة ، ليست المؤمنة زيادة في الرقبة ، بل الرقبة المؤمنة وجود مستقل ، فإن عتق الرقبة في ضمن غير المؤمنة لم يأتِ بالمأمور به وأتى بما يباينه ، وإن أتى بعتق الرقبة المؤمنة فقد أتى بالواجب ، فليس الشك في اعتبار الإيمان في الرقبة شكاً في الزيادة حتّى يدفع بالأصل ، ولذا لا تجري هنا البراءة لا العقلية ولا الشرعية ، بل لابدّ من العمل بالاحتياط ، ومسألتنا وهي الدوران بين التعيين - أي الأكثر - والتخيير - أي الأقل - من قبيل العام والخاص ، والشك يرجع فيها إلى الشك بين المتباينين ، ومقتضى الأصل هو الاشتغال لا البراءة ، ومقتضى الاشتغال هو لزوم الاتيان بالإحرام من أحد المواقيت الخمسة .
بل الاشتغال هو الذي ذهب إليه شيخنا الاُستاذ ( 1 ) في موارد دوان الأمر بين التعيين والتخيير فيما إذا كان الفردان الواجد والفاقد يعدان عند العرف أمرين متباينين ، لأن مقتضى القاعدة هو أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية ، ولا يمكن أن تكون القاعدة عنده هي البراءة ، وبعبارة اُخرى : إذا دار الواجب بين نوعين عرفاً كالعبد والأمة فهما وإن كانا بحسب الدقة متحدين وداخلين تحت جنس واحد إلاّ أنهما يعدان نوعين عرفاً فتجري أصالة الاشتغال ويقال بالاحتياط ، ومقامنا من هذا القبيل ، فإن الاحرام من المواقيت الخمسة أو الأعم منها ومن أدنى الحل نوعان ، فيكون دوران الأمر بينهما كدوران الأمر بين نوعين عرفاً كالعبد والأمة ، فتجري أصالة الاشتغال ويكون اللازم الإحرام من أحد المواقيت الخمسة ، ولا يمكن الرجوع إلى البراءة عن التعيين والأخذ بالأقل أي التخيير .
وأما على مسلكنا ( 2 ) القائم على جريان البراءة في أمثال المقام بلا فرق بين أن يكون الأكثر والأقل من قبيل الخاص والعام كما قاله صاحب الكفاية ، أو كان الاختلاف بينهما كالاختلاف بين نوعين عرفاً كما قاله شيخنا الاُستاذ ، فتجري البراءة عن الأكثر ويقال بالتخيير في الإحرام بين المواقيت الخمسة وأدنى الحل فيكتفى حينئذ بالإحرام من أدنى الحل ، أي يقال : إن طبيعي الإحرام والجامع بين الإحرام من أحد المواقيت والإحرام من أدنى الحلّ هو واجب جزماً ، إنّما الكلام في خصوصية الإحرام من أحد المواقيت ، ويدفع ذلك بالبراءة ، فيكتفى بالإحرام من أدنى الحلّ ، لأن طبيعي الإحرام المعلوم وجوبه تحقق جزماً ، والزائد مشكوك فيه فيدفع بأصل البراءة .
هامش
( 1 ) قال : « إذا كان الأقل والأكثر من قبيل الجنس والنوع ، والأقوى : أنّه يجب فيه الاحتياط ولا تجري البراءة عن الأكثر ، فإن الترديد بين الجنس والنوع وإن كان يرجع بالتحليل العقلي إلى الأقل والأكثر ، إلاّ أنّه خارجاً بنظر العرف يكون من الترديد بين المتابينين » . فوائد الاُصول 4 : 208 .
( 2 ) موسوعة الإمام الخوئي 47 : 498 .