شرح
إلى دليل ولا دليل - وأما العدول إلى الإفراد فيحتاج إلى دليل مخرج لنا عن الأصل وعن القاعدة القاضية بعدم الجواز ، والذي ثبت من الدليل جزماً هو أن من خاف فوت الوقوف الركني في عرفة فوظيفته هو العدول إلى حجّ الإفراد ولا متعة له بمقتضى صحيحتي جميل والحلبي ، ثمّ يأتي بعمرة مفردة بعد ذلك ، ولا معارض لهاتين الصحيحتين دال على لزوم اتمام عمرة التمتع في هذه الصورة . وأما في غير ذلك فالروايات متعارضة ومتضاربة ، وقلنا إن جميع هذه الروايات معارضة لصحيحتي الحلبي وجميل ، ومقتضى القاعدة التساقط - إذا لم نرجحهما أي صحيحتي جميل والحلبي لموافقتهما السنّة - فيكون المرجع الاطلاقات إن لم تحمل هذه الروايات على التقية أو غيرها من المحامل .
ومنهم من حمل الروايات المتعارضة على التخيير ، فذكر أنّه يعمل بجميع الروايات ولكن على نحو التخيير ، فمن خاف فوت الموقف يتعين عليه الإفراد ، ومن لم يخف فوته وكان من الممكن إدراكه فهو مخير بين العدول وبين الاتمام تمتعاً ، فكأن القائل بذلك تخيل أن هذا هو مقتضى القاعدة .
ولكن يرد عليه أنه إن أراد القائل أن التخيير تخيير في المسألة الاُصولية باعتبار أن الروايات متعارضة والحكم في التعارض هو التخيير فهذا لم يثبت كما قلناه في المباحث الاُصولية ( 1 ) بل لابدّ من الرجوع إلى المرجحات وإلاّ فالقاعدة تقتضي التساقط ، على أن التخيير وظيفة المجتهد المفتي فإن له أن يختار أحد المتعارضين ويفتي على طبقه ، وليس هو وظيفة المقلد ، فإن أراد القائل بالتخيير التخيير في المسألة الاُصولية فهو غير تام . وإن أراد أن التخيير إنما هو للجمع العرفي بين هذه الروايات المتعارضة كما ذكرنا ذلك فيما لو ورد أمر بشيء وأمر بشي آخر كالأمر في مورد بالصلاة قصراً والأمر فيه بالصلاة تماماً ، وعلمنا أنه لا يجب في اليوم الواحد صلاتان ، فنحمل ذلك على التخيير للجمع العرفي ، والوجه فيه ظاهر ، لأن الأمر لا يدل على الوجوب التعييني دلالة لفظية وضعية ، بل هو بالاطلاق الوارد في مقام البيان ، فإن ورد دليل آخر ظاهر في الوجوب التعييني بالاطلاق أيضاً فيرفع اليد عن اطلاق كل منهما بنص الآخر ويحكم بالتخيير ، فلو كان الأمر في المقام كذلك فلا مانع من الحمل على الوجوب التخييري ، ولكن ليس الأمر في المقام كذلك ، لأن الروايات متعارضة في مقام التحديد نفياً واثباتاً ، ففي صحيحتي الحلبي وجميل إن لم يخف فوت الركن من عرفة أتى بعمرة التمتع وإلاّ عدل إلى الإفراد ، ومقتضى الروايات المحددة بانتهاء المتعة إلى زوال أو غروب يوم التروية أنه لا متعة له بعد ذلك ، فكيف يحمل لا متعة له في ذلك الوقت مع الأمر بالمتعة في نفس الوقت على الوجوب التخييري ، فهل يمكن حمل لا متعة له على أنه لا متعة له مخيراً ؟ ! نعم لو كانت الروايات
هامش
( 1 ) موسوعة الإمام الخوئي 48 : 441 .