شرح
والظاهر أنه لا يختلف الماتن وصاحب الجواهر ( قدس سرهما ) من حيث مبدأ الاستطاعة ، إذ لا يعتبر في الاستطاعة الاستطاعة من بلد خاص ، فإن الاستطاعة عبارة عما يجده من الزاد والراحلة في أي مكان ، فلو سافر العراقي لغرض ما إلى المدينة ثمّ وجد مقدار ما يحجّ به وجب عليه الحجّ بلا إشكال ، إذ لم يدل دليل على اعتبار الاستطاعة من البلد حتى يتكلم في أنه أي بلد هل هو الأوّل أو الثاني . وإنما الخلاف بينهما بالنسبة إلى المنتهى ( 1 ) فلو أقام الآفافي في مكّة سنتين ثمّ وجد مقدار ما يحج به حج إفراد ويرجع إلى محل إقامته - لا إلى بلده - الذي هو عازم على الرجوع إليه باعتبار أنه مجاور فهل هذا مستطيع للحج ، أو يعتبر في استطاعته أن يكون عنده ما يحج به ويرجع إلى بلده لا إلى محل إقامته ، والفارق كبير .
أقول : الرجوع عرفاً كما يقوله صاحب الجواهر ( قدس سره ) مأخوذ في مفهوم الاستطاعة ، فإنه إذا قيل إن زيداً متمكن من زيارة الإمام الحسين ( عليه السلام ) في يوم عرفة ، فمعنى ذلك أنه قادر على الذهاب والرجوع ، وأما لو لم يكن متمكناً من الرجوع فلا يصدق عليه أنه متمكن ومستطيع ، ولكن الرجوع المعتبر بالنسبة للنائي المقيم في مكّة سنتين هل هو إلى محل إقامته أو إلى بلده .
والذي يقال في الجواب هو أن هذا النائي إذا لم يكن عازماً على الرجوع إلى بلده فالمعتبر هو الرجوع إلى محل إقامته في صدق الاستطاعة ، وأما لو كان عازماً على الرجوع إلى بلده وعنده ما لو صرفه في الحجّ لم يكن عنده ما يصرفه في الرجوع إلى بلده ، فهل هو مستطيع أو لا .
ذكر الماتن ( قدس سره ) أنه مستطيع لأن حاله حال أهل مكّة ، ومقتضى ما ذكره صاحب الجواهر ( قدس سره ) هو اعتبار تمكنه من الرجوع إلى بلده في صدق أنّه مستطيع ، وهو الصحيح ، لأن انقلاب الحجّ من التمتع إلى الإفراد أو القران كما علله - صاحب الجواهر - لا يوجب ولا يلازم انقلاب الشرائط ، فإن هذا النائي لابدّ من الرجوع إلى
هامش
( 1 ) في هذا تعريض بما ذكره السيد الحكيم ( قدس سره ) تعليقاً على النزاع بين الماتن وصاحب الجواهر ( قدس سرهما ) حيث قال « أقول : النزاع المذكور لا يتضح له وجه محصل ، لأن الفرق بين الاستطاعة من البلد والاستطاعة من مكّة - أو الموضع القريب - من وجهين : أحدهما من حيث الابتداء ، وقد تقدم أنه لا يعتبر في الاستطاعة أن تكون من البلد ، فلو سافر اختياراً أو قهراً إلى الميقات ، فاستطاع هناك استطاعة شرعية منه إلى مكّة ثمّ إلى الرجوع إلى بلده وجب عليه الحجّ الإسلامي وإن لم تكن له استطاعة من البلد ، إما لفقد المال أو غيره . وكذا لا تكفي في وجوب حجّ الإسلام إذا كان مستطيعاً من البلد غير مستطيع من مكانه ، وثانياً من حيث الانتهاء . وقد تقدّم أيضاً أنه إذا كان منصرفاً عن الرجوع إلى بلده لا يعتبر في وجوب حجّ الإسلام الاستطاعة إليه ، بل تكفي الاستطاعة إلى الموضع الذي يقصد الإقامة فيه بعد رجوعه من الحجّ ولو كان قريباً إلى مكّة ، وأنه لا تكفي الاستطاعة إلى البلد إذا كان رجوعه إلى البلد ضرراً عليه أو حرجاً ، بل لابدّ من الاستطاعة إلى ذلك المكان . . . » ، المستمسك 11 : 101 طبعة بيروت .