كون التعذّر طارئاً أو من الأوّل . ويؤيد ما ذكرنا ما ورد من الأخبار في نظائر المقام ، بل يدل عليه خبر علي بن سويد عن الصادق ( عليه السلام ) قال « قلت : مات رجل فأوصى بتركته أن أحج بها ، فنظرت في ذلك فلم تكف للحج ، فسألت من عندنا من الفقهاء فقالوا : تصدق بها ، فقال ( عليه السلام ) : ما صنعت ؟ قلت : تصدّقت بها ، فقال ( عليه السلام ) : ضمنت إلاّ أن لا تكون تبلغ أن يحجّ بها من مكّة ، فإن كانت تبلغ أن يحجّ بها من مكّة فأنت ضامن » ويظهر ممّا ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة من الجهات ، هذا في غير ما إذا أوصى بالثّلث وعين له مصارف وتعذر بعضها ، وأمّا فيه فالأمر أوضح ، لأنّه بتعيينه الثّلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث بذلك فلا يعود إليه .
شرح
فالظاهر في مثل ذلك أنه لا موجب للرجوع إلى الوارث لعدم المقتضي له ، فإن الوارث والأجنبي بالنسبة لهذا المال سيان بعد فرض أن الميت أبقى الثلث على ملكه وعين له مصارف إلاّ أن بعضها متعذر ، كما لو فرض أن المسجد الذي أوصى بتعميره بمقدار معين من الثلث قد وقع في الطريق العام وهدم ، أو أن المقدار المعيّن لصرفه في المواكب الحسينية ، قد منعت اقامتها لتسلط ظالم على ذلك ، أو أصبحت اُجرة الحجّ أكثر ممّا عينه لعارض غلاء الأسعار مثلاً ونحو ذلك ، أو كان غير واف باُجرة الحجّ من حين التعيين فكان التعذر ابتداءً ، ولا شك أنه في هذه الصور سواء كان التعذر ابتداءً أو لعارض لا وجه لرجوع المال إلى الوارث ، بل لابدّ في صرفه في وجوه الخير عنه ، سواء كانت هذه الصورة هي محل الكلام أو لا .
إنما الكلام فيما إذا كانت الوصية ابتدائية وغير مسبوقة بالوصية بالثلث - كما إذا قال : اصرفوا كذا مقدار في الحجّ ، وكذا مقدار في تعمير مسجد معين ، وثالث في إقامة المواكب الحسينية على سيد الشهداء ( عليه السلام ) ، فلو فرض أن الصرف في الموارد المذكورة غير ممكن ، فهل يكون المال راجعاً إلى الورثة أو يصرف في وجوه الخير عنه ؟ فيه كلام .
قيل : يرجع إلى الوارث لأن الوصية باطلة بعد كونها في أمر غير ممكن سواء كان التعذر ابتداءً أو لعارض ، وبعد القول ببطلان الوصية مقتضى القاعدة أن كل ما تركه الميت يكون للوارث إلاّ الوصية ، وهي باطلة حسب الفرض فيكون جميع المال للوارث .
ولكن ذهب الماتن وغيره إلى أنه لابد من صرف مقدار ما أوصى به في وجوه البر عنه ، وذلك للقرينة العامة الخارجية القائمة على أن الوصية ليست على نحو وحدة المطلوب ، فإن المفعوم عرفا من الوصية ومن حال الموصي هو كونها على نحو تعدد المطلوب ، فإذا لم يمكن الصرف في تعمير المسجد لازالته بسبب وقوعه في الطريق العام فيرجع إلى تعمير مسجد آخر محتاج التعمير ، لأن وصيته بتعمير مسجد معين كوصيته بتعمير مسجد قربة إلى الله تعالى ، فإذا لم يمكن هذا فغيره ، وإذا لم يمكن الحج فغيره مما هو أقرب