تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 382

مساهمون:

ص٣٨٢
هذا تمثيل في صيغة السؤال ، تمثيل للفرق بين الضالين الذين لجوا في عتو ونفور وبين المهتدين الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه ، فالضالون مثلهم كمثل الذي يمشي ووجهه إلى الأرض يكثر العثار فيما لا يعثر فيه بصير أما المهتدون فمثلهم مثل الذي يسير على الطريق الواضح بجسم معتدل ، ونظر سليم . وتكرر هذا المعنى في العديد من الآيات ، منها قوله تعالى : « مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمى والأَصَمِّ والْبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ » - 24 هودج 4 ص 222 . ( قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأَبْصارَ والأَفْئِدَةَ ) . لقد خلق اللَّه لكم أسماعا فاتعظوا بما تسمعون ، وجعل لكم أبصارا فاعتبروا بما ترون من آيات ومعجزات ، ومنحكم عقولا فلما ذا لا تفقهون ؟ وقال مفسر من القدامى : « ان اللَّه سبحانه قدم السمع لأن فوائده أقوى من فوائد البصر ، فان السمع للخطاب ، والبصر للرؤية ، ومرتبة الخطاب أقدم » . وقال أديب معاصر : « لا تتقدم كلمة على كلمة في القرآن الا لسبب ، ولا تتأخر كلمة عن كلمة إلا لسبب . وكمثل بسيط نجد ان القرآن يقدم السمع على البصر في الذكر في عديد من الآيات ، وهي مسألة يعرف سرها علماء التشريح ، فهم يدركون ان جهاز السمع أرقى وأعقد وأدق وأرهف من جهاز الأبصار . . والأم لا يتوه سمعها عن صوت بكاء ابنها وتميزه من بين آلاف الأصوات ، وتتوه عين أمه عنه في الزحام » . ( قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) لأن اللَّه خلق الاسماع والأبصار والأفئدة للخير والصلاح ، وأنتم تستعملونها للشر والفساد ( قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ ) . ليس معنى ذرأكم خلقكم فقط ، بل فيه أيضا معنى التكثير بالنسل ليتسابقوا في مضمار الحياة وعمارتها واستدرار خيراتها . هذا ما قاله المفسرون ، ولو كانوا في هذا العصر لعقبوا على هذا التفسير بقولهم : ولكن الدول الكبرى تتسابق اليوم في مضمار التسلح ، وحرمان الجائعين من خيرات الأرض وبركاتها لتكون وقفا على مصانع الموت التي يملكها الطغاة المحتكرون . وتقول الاحصاءات : ان ما تنفقه دول العالم مجتمعة على السلاح أكثر مما تنفقه على التعليم والصحة معا . ( وإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) فيأخذ المفسدين في الأرض بجرمهم وجريرتهم . ( ويَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ) . تكرر هذا السؤال من الجاحدين في العديد من الآيات ، وهو عجيب وغريب ، لأنه ما من عاقل إلا ويستدل بما