من قائل : « لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسانَ فِي كَبَدٍ » - 4 البلد أي كادحا يجاهد ويكابد كما قال كثير من المفسرين .
( أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً ) . المراد بمن في السماء خالق السماء ، وانما خصها سبحانه بالذكر مع أنه خالق كل شيء - لأن الناس يعبرون عن تدبيره تعالى بتدبير السماء . . بعد أن ذكّر سبحانه بنعمة الأرض وخيراتها حذّر من عاقبة البغي والفساد فيها ، فإن هذه النعمة تتحول إلى شر ووبال على المجرمين والمفسدين لأن الذي جعلها « ذلولا » للعباد قادر على أن يخسفها بهم بالزلازل والاهتزاز فتبتلعهم وما يملكون ، أو يرسل عليهم ريحا عاتية ترميهم بالحصباء فتفنيهم عن آخرهم . وتقدم مثله في الآية 68 من سورة الإسراء ج 5 ص 65 .
( فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ ) . لقد أنذركم اللَّه وحذركم سوء العاقبة ، فكذبتم بالإنذار وسخرتم من التحذير ، وعما قريب يحل بكم العذاب الذي كنتم به تكذبون ومنه تسخرون ( ولَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ ) أي نكيري ، ونكيره تعالى عذابه ، والمعنى لقد سمعتم أخبار الذين أخذهم اللَّه بذنوبهم ، وعلمتم كيف نزل بهم العذاب . . ألا تخشون ان يصيبكم ما أصابهم ؟ . وتقدم مثله في العديد من الآيات ، منها الآية 69 من سورة التوبة والآية 45 من سورة سبأ ( أَولَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ ويَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ ) . هذه الآية تدعو الجاحدين إلى التفكير في خلق اللَّه وقدرته تعالى ، ومن آثار هذه القدرة خلق الطير وتحليقه في السماء . . فمن الذي خلقه على هيئة أهلته للطيران ، وهدته إلى أن يبسط جناحيه في أكثر الأحيان ، ويضمهما حينا بعد حين تماما كما يفعل السابح ؟ هل هي الصدفة والطبيعة العمياء أو قانون بقاء الأصلح : « وما مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ » - 38 الأنعام تشعر كما تشعرون ، وتسير على نواميس طبيعية كما تسيرون ، فالطائر يطير بجناحيه والإنسان يمشي على رجليه ، ويسافر في السيارة أو الطائرة أو في سفينة ماء أو فضاء ، وكل هذه الأسباب وما إليها هي من صنع اللَّه تعالى أوجدها كوسيلة إلى المقاصد والغايات . وتقدم مثله في الآية 79 من سورة النحل ج 4 ص 536 .
التفسير الكاشف — صفحة 379
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٣٧٩