تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الحادثة هو ظهور جبريل مرتين لرسول اللَّه ( ص ) على الصورة التي خلقه اللَّه عليها لا على الصورة التي اعتاد النبي أن يراه فيها حين يبلَّغه الوحي . وقد كثّر المفسرون الكلام حول هذه الآيات ، وأطنب بعضهم في أوصاف جبريل وأجنحته بلا حجة ودليل . . . أما نحن فنقتصر على ما يدل عليه ظاهر اللفظ ولا يأباه العقل غير ملتزمين بقول راو أو مفسر إلا على هذا الأساس ، واللَّه المستعان : 1 - ( عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى ) . علَّمه أي بلَّغه ، والضمير يعود إلى صاحبكم ، وهو محمد ( ص ) ، والمفعول الثاني لعلمه محذوف أي الوحي ، وشديد القوى فاعل علمه ، وهو جبريل ( ع ) ، والمراد بالقوى هنا الصفات التي تؤهل جبريل لتبليغ الوحي كالحفظ والأمانة والدقة في الأداء حتى كأن النبي ( ص ) يسمع الوحي من اللَّه مباشرة ، والدليل على أن المراد بالقوى الحفظ والأمانة قوله تعالى في وصف جبريل : « وإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ » - 193 الشعراء . وأيضا كلمة علمه تومئ إلى ذلك . وعليه يكون المعنى ان جبريل القوي الأمين بلَّغ محمدا الوحي على حقيقته تماما كما هو في علم اللَّه . 2 - ( ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى ) . ذو مرة صفة لجبريل ، والمراد بالمرة بكسر الميم الهيئة والصورة ، واستوى استقام ، والمعنى ان جبريل ظهر للنبي ( ص ) مستويا كما خلقه اللَّه . 3 - ( وهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلى ) . ضمير هو لجبريل أي ان جبريل حين ظهر على صورته للنبي امتد مرتفعا في الجو ، وقال المفسرون : الأفق الأعلى مطلع الشمس أي المشرق ، والأفق الأدنى مغربها ، وعلى أية حال فإن القصد هو الإخبار عن جبريل بأن صورته امتدت في الجو ، ولا يهم أن يكون هذا الجو لجهة المشرق أو المغرب . 4 - ( ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) . في كل من دنا وتدلى ضمير يعود إلى جبريل ، ودنا أي قرب من النبي ( ص ) ، وتدلى نزل ، وفي الكلام تقديم وتأخير ، والأصل ثم تدلى فدنا ، وألقاب المقدار ، والمعنى ان جبريل بعد أن ظهر للنبي كما خلقه اللَّه ، وارتفع جسمه بالأفق ، بعد هذا عاد إلى الصورة التي كان يلقى النبي بها حين يبلَّغه الوحي ، وقرب منه حتى لم يكن
التفسير الكاشف — صفحة 174 | محمد جواد مغنية