( فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ ) . عجز فرعون عن مقابلة الحجة بالحجة ، وخاف من موسى وعصاه ، فحاول أن يخفي خوفه وعجزه بالتمويه على شعبه العريق في السذاجة ، فأظهر الشك في وجود إله سواه ، وانه سينظر ويبحث عن هذا الإله . . فإن وجده طلبه للبراز . . وإلا - وهذا هو المظنون عند فرعون - كان موسى من الكاذبين . . وليؤكد هذا التمويه على أعين الرعاع الذين عبدوه قال لوزيره هامان :
أوقد النار ، واصنع الآجر لبناء صرح رفيع أصعد منه إلى السماء ، لأبحث عن إله موسى . . ولم يبن هامان الصرح - كما نظن - لأنه على يقين من مكر فرعون وتدليسه ، وأي عاقل يحاول البناء إلى ما لا نهاية ، ويتوهم انه بالخشب والآجر يبلغ السماوات العلى ، ويعلم من فيها وعليها ؟ .
( واسْتَكْبَرَ هُوَ وجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ ) .
تعاظموا وتعالوا على الناس ، وأخذتهم العزة بالإثم ، وعاثوا في الأرض شرا وفسادا ، والسبب الأول والأخير انهم لا يؤمنون باللَّه واليوم الآخر ، ولا بمبدأ وضمير ، ولا بشيء إلا بأنفسهم ومنافعهم ، ولذا أخذهم جل وعز أخذ عزيز مقتدر ( فَأَخَذْناهُ وجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ) .
ألقت أم موسى وليدها في اليم خوفا من فرعون ، فالتقطه هذا العدو للَّه ولموسى لينتفع به أو يتخذه ولدا . ولما شبّ موسى وكبر حاول جهده أن ينفع فرعون وينقذه من الهلاك والعذاب ، ولكنه نفر وتكبر ، فكان عاقبة أمره ان أهلكه سبحانه في نفس اليم الذي ألقي فيه موسى ، والتقطه منه آل فرعون . . وان في ذلك لعبرة لأولي الأبصار . . ولكن أين هم ؟ .
« وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ويَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ » . ضمير جعلناهم يعود إلى فرعون وجنوده ، والمعنى انهم في الدنيا ضالون ومضلون ، وانهم في الآخرة هم الأخسرون ، ومعنى جعلناهم ان اللَّه سبحانه قضى وقدر أن من يسلك طريق الضلال فهو ضال ، تماما كما قضى وقدر أن من يسلك طريق الهلاك فهو هالك ، وبيّنا ذلك فيما تقدم أكثر من مرة . وعن الإمام جعفر الصادق ( ع ) ان الأئمة في كتاب اللَّه نوعان : أئمة الهدى ، وهم الذين أشار سبحانه إليهم بقوله :
« وجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا - 73 الأنبياء » فيقدمون أمر اللَّه قبل أمرهم ،
التفسير الكاشف — صفحة 67
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص٦٧