تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 485

مساهمون:

ص٤٨٥
الحاكم على كل حال سواء اقتنع به المحكوم عليه أم لم يقتنع ، وبين حكم اللَّه في الآخرة فإنه تعالى لا ينفذه حتى يقنع المحكوم عليه بأنه يستحق العقاب . . ومن أجل هذا تتراكم الشهود على المجرم ، فحملة الدين يشهدون عليه بأنهم قد بلغوه حلال اللَّه وحرامه ، والملائكة يشهدون بأنه عصى وتمرد ، وصحيفة أعماله تسجل عليه كل قول وفعل ، فإذا أظهر المجرم عدم الاقتناع بكلّ هذه الشواهد أقام اللَّه عليه شاهدا من نفسه ، فيشهد عليه جلده بأنه لامس الحرام كالزنا ومقدماته ، ويشهد عليه سمعه بأنه سمع الحق فأعرض عنه ، ويشهد بصره بأنه رأى دلائل الوحدانية فجحدها ، وما إلى ذلك من الرذائل والموبقات . وتومئ الآية إلى معنى دقيق ، وهو ان الشرط في الشاهد أن لا يتحيز ، وربما توهم المجرم ان المبلغين والملائكة قد مالوا بشهادتهم إلى اللَّه لأنهم لا يعصونه وبأمره يعملون ، فأقام سبحانه شهودا على نفس المجرم من نفسه دفعا لهذا التوهم وان كان باطلا . وفي بعض الروايات ان العبد غدا يخاطب ربه ويقول : ألم تجرني من الظلم ؟ فيأتيه الجواب بلى . فيقول العبد : انّي لا أجيز على نفسي إلا شاهدا من نفسي ، وعندئذ يأمر تعالى أعضاءه أن تشهد عليه . فيقول العبد المذنب لأعضائه : بعدا لكنّ وسحقا ، فكم ناضلت عنكنّ . « وقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا » ؟ وفي قولهم هذا اشعار بأن بعض المجرمين لم يقبلوا شهادة المبلغين والملائكة ، وانهم توهموا ان هذا الرفض يجديهم نفعا لولا أن يقيم اللَّه عليهم شهودا من أنفسهم ( قالوا - أي الجلود - أنطقنا اللَّه الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة واليه ترجعون ) . أعضاؤهم تنطق في الدنيا بلسان الحال ، ويشهد ما فيها من حكمة وإتقان بأن اللَّه هو المبدئ والمعيد ، وتنطق بذلك صراحة في الآخرة أيضا . واختلف المفسرون في كيفية شهادة الأعضاء على أصحابها غدا ، فمن قائل : ان اللَّه يظهر عليها علامات تشير إلى الجرائم التي ارتكبوها . وقائل : ان اللَّه ينطقها حقيقة . وهذا هو الصحيح لأن ظاهر الآية يدل عليه ، والعقل لا يأباه . « وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ ولا أَبْصارُكُمْ ولا جُلُودُكُمْ ولكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهً لا يَعْلَمُ كَثِيراً » - أي ما تخفون - « مِمَّا تَعْمَلُونَ » . ظننتم أي اعتقدتم ،
التفسير الكاشف — صفحة 485 | محمد جواد مغنية