تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
يتحدث باسم اللَّه من دونهم . . انهم نظروا إلى القائل ، ولم ينظروا إلى القول ، وقاسوا الحق بالرجال ، ولم يقيسوا الرجال بالحق . وتسأل : ان هذا لا يختص بقوم نوح ( ع ) ، فلقد رأينا أكثر الناس ينقادون إلى الغريب ، دون القريب ، حتى اشتهر في الأمثال : بنت الدار عوراء . الجواب : أجل ، ان هذا الخلق لا يختص بقوم نوح ، والآية لا تنفيه عن غيرهم ، وانما تذمهم من أجله ، وهذا لا ينفي الذم عن أمثالهم وأشباههم . الشبهة الثانية التي تذرع بها المترفون قولهم : ( وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ ) والأراذل في مفهومهم الفقراء والمساكين الذين لا جاه لهم ولا مال ، والمترفون أجل وأعظم من أن يؤمنوا بمن آمن به الأراذل ( وما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ ) الخطاب في ( لكم ) لنوح ومن آمن معه ، والمعنى قال المترفون الطغاة لنوح والمؤمنين : كيف نتبعكم ولا تمتازون علينا بجاه ولا مال ، تماما كما قال مشركو قريش لمحمد ( ص ) : « لولا أنزل عليه كنز » . . « وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ - 31 الزخرف » ( بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ ) لأنكم فقراء مساكين . . هذا هو منطق الأثرياء الضالين ، التعصب للجاه والمال . . أما النوايا الخيرية ، والأعمال الصالحة فكلام فارغ . ( قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ) . هذا جواب قولهم : كيف نؤمن لك ، وأنت بشر مثلنا ؟ . ومعنى الجواب أخبروني ما أصنع إذا اختارني اللَّه لرسالته ، وخصني من دونكم برحمته ، وزودني ببينة منه على هذه الرسالة ؟ . ما رأيكم ؟ . هل أرفضها ، وأقول للَّه ، لا أريد النبوة منك ، ولا أحمل رسالتك إلى عبادك ، لأنكم لا تعقلون ؟ ( فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ) أي خفيت الرسالة عليكم ، وعجزتم عن فهمها ( أَنُلْزِمُكُمُوها ) أي أتريدون مني ان أكرهكم على الإيمان برسالتي ( وأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ ) ؟ . وإذا كره القلب عمي عن رؤية الحق . ( ويا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ » - أي على الانذار - « مالًا إِنْ أَجرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ) . لأن من يتكلم باسم اللَّه لا يطلب الأجر من سواه ان كان صادقا في كلامه ، والمرتزقة باسم الدين هم الذين يسألون الناس أموالهم وصدقاتهم ، وما أكثرهم في هذا العصر .