تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
مر بي شيء مشكل في القرآن مثل هذا . . ولعل هناك محذوفا يصح به المعنى ما وقفت فيه لأحد المفسرين على طائل ، ثم قلت للرجل : ظهر لي الساعة ان ذاك المحذوف هو نصرك . وما أردت بذكر ما حدث لهذا المفسر الجليل ان أمس من مكانته ، وانما أردت التدليل على أن العالم الفطن قد تسد أحيانا في وجهه نوافذ الفطنة ، فتلجئه الحيرة إلى التشبث بكل شيء . . حتى بالأحلام يفسر بها القرآن ، وهو في واقعه في فطرته على يقين من خطأه ، دون أن يلتفت إلى هذا الواقع ، وهنا مكان الغرابة . . كيف يكون على يقين ، وهو غير ملتفت ؟ . ولكن هذا هو الواقع . . والدليل انه لو رأى من غيره ما ارتضاه لنفسه لأنكر عليه . « يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ » جادل فريق من المؤمنين في لقاء النفير وقتاله ، مع أن هذا اللقاء والقتال حق وخير ، وآثروا العير لأنها أكثر أموالا ، وأقل رجالا . . وقوله تعالى : « بَعْدَ ما تَبَيَّنَ » يشير إلى أنهم جادلوا بعد أن أخبرهم النبي ( ص ) بالنصر « كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وهُمْ يَنْظُرُونَ » إلى الموت وأسبابه عيانا ، وهذه صورة يرسمها القرآن لشدة خوفهم من قريش ، لأنها أقوى عدة ، وأكثر عددا . وتسأل : ان المسلمين يقدسون البدريين ، ويرفعونهم إلى المكان الأعلى ، وها هو القرآن يدين بعضهم صراحة ، وانهم جادلوا النبي على رغم بيان الحق لهم ووضوحه عندهم لأن الوحي نزل به وأخبرهم عنه الرسول الأعظم ( ص ) . الجواب : ان هذا لا يحط من شأنهم ، ولا يمس من إيمانهم باللَّه ورسوله . إنهم بشر تهتز نفوسهم إذا رأوا الموت برغم إيمانها واطمئنانها ، هذا إلى انها غمامة صيف عرضت ، ثم تقشعت . ومضوا مع النبي ، وواجهوا الموت بعزم وثبات . « وإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ » : إما الانتصار في الحرب على قريش ، ولا عير ، وإما العير ، ولا انتصار « وتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ » غير ذات الشوكة هي العير وأموالها ، وقد آثروها على القتال والجهاد في سبيل اللَّه ، ولكن اللَّه أراد الخير لهم وللإسلام بتحطيم الشرك والطغيان « ويُرِيدُ