تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢
أما الأول فلأن الضمير بظاهره يعود على الأقرب ، وأما الثاني فلوجود النسخ في القرآن . ويجوز أن يكون الأمر بالصفح عنهم نزل بعد أن قوي الإسلام ، وأصبح في حصن حصين لا يضره كيد اليهود ولا غيرهم من الكافرين . ( ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ ) . بعد ان بيّن سبحانه حال اليهود من نقض الميثاق والتحريف بيّن حال النصارى وانهم واليهود سواء من هذه الجهة . . ولكن جل ثناؤه ذكر في الآية السابقة نوع الميثاق الذي نقضه اليهود ، ولم يذكر شيئا عن نوع الميثاق الذي أخذه على النصارى ، وغير بعيد ان اللَّه سبحانه أطلق الكلام بالنسبة إلى النصارى لوضوح الميثاق الذي أخذه منهم ، وهو التوحيد ( فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) . والذي ذكروا به هو الإنجيل الذي أنزله اللَّه على عيسى ( ع ) وينص صراحة على التوحيد ، وعلى نبوة محمد ( ص ) باسم أحمد ، فحرّفوه تماما كما حرّف اليهود التوراة . ومن أقوى الأدلة على تحريف الإنجيل ان رؤساء الكنيسة وعلماء التاريخ في الأناجيل الأربعة التي اعتمدها النصارى في القرن الرابع « قد اختلفوا فيما بينهم فيمن كتب الأناجيل ؟ ومتى كتبت ؟ وبأية لغة ؟ وكيف فقدت نسخها الأصلية ؟ وهذه الخلافات موجودة بالتفصيل في « دائرة المعارف الفرنسية الكبرى » . ذكر هذا وكثيرا غيره صاحب تفسير المنار . ( فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ والْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ) . ولا شيء يقال في تفسير هذه الجملة خير مما قاله الشيخ أبو زهرة في كتاب « محاضرات في النصرانية » . لذا ننقل عبارته بحروفها : « لقد وقع بين الذين قالوا : إنا نصارى من الخلاف والشقاق والعداء في التاريخ القديم والحديث مصداق ما قصه سبحانه في كتابه الصادق الكريم ، فقد سال من دمائهم على أيدي بعضهم البعض ، ما لم يسل من حروبهم مع غيرهم في التاريخ كله ، سواء أكان ذلك بسبب الخلافات الدينية ، أو بسبب الخلافات على الرياسة الدينية ، أو بسبب الخلافات السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وفي خلال القرون الطويلة لم تسكن هذه العداوات ، ولم تخمد هذه الحروب والجراحات ، وهي ماضية إلى يوم القيامة ، كما قال أصدق القائلين » .