تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وتسأل : كيف نسب سبحانه قسوة قلوبهم إليه ؟ أليس معنى هذا انهم غير مسؤولين عن هذه القسوة ، لأنها من اللَّه ، لا منهم ؟ . الجواب : ان اللَّه بيّن لهم طريق الخير ، وأمرهم به ، وبيّن طريق الشر ، ونهاهم عنه ، وأخذ منهم الميثاق على السمع والطاعة ، فأعطوه إياه ، ثم خانوا ونكثوا ، وأصروا على العصيان والتمرد ، فتركهم وشأنهم ، ولم يلجئهم إلى عمل الخير ، إذ لا تكليف مع الإلجاء ، ولأنه تعالى لم يلجئهم صح ان ينسب القسوة إليه ، ومن أراد زيادة في التوضيح فليرجع إلى ما قلناه عند تفسير الآية 88 من سورة النساء ، فقرة الإضلال من اللَّه سلبي ، لا ايجابي . ( يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ) . تقدم تفسيره في سورة النساء الآية 45 . ( ونَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ) . ذكّروا بالتوراة ، فحرفوا منها ما يتنافى مع أهوائهم ، وابقوا ما يشتهون . وإذ نقضوا ميثاق اللَّه ، وحرّفوا كتابه الذي أنزله إليهم من السماء - فبالأولى أن ينقضوا ما يعطونه من مواثيق للعرب وغير العرب ، وان يحرفوا قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن . ( ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) . لم يكتف يهود الجزيرة العربية آنذاك بإنكار نبوة محمد ( ص ) ، حتى تآمروا عليه مع أعدائه ، وبيتوا له المكر والغدر ، فخاطبه اللَّه بقوله : ( لا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ ) . أي انك لاقيت - يا محمد - الكثير من اليهود ، وستلاقي أيضا الكثير منهم ، وان أحسنت إليهم ، لأن المحسن والمسيء عندهم سواء ( إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ) وهم الذين أسلموا وصدقوا في إسلامهم كعبد اللَّه بن سلام ومن معه . ورغم ذلك كله فان اللَّه أمر نبيه أن يقابل إساءتهم بالإحسان : ( فَاعْفُ عَنْهُمْ واصْفَحْ إِنَّ اللَّهً يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) . وتسأل : أبعد أن وصفهم سبحانه بأقبح الأوصاف ، وان الخير لا يرجى منهم بحال ، أبعد هذا يأمر نبيه بالصفح والعفو عنهم ؟ وهل يعرف اليهود معنى الصفح والعفو ؟ وهل يجوز الصفح عن الأفاعي والعقارب ؟ وأجيب عنه بأجوبة منها ان ضمير عنهم يعود على القليل منهم الذين أسلموا وأخلصوا . ومنها ان هذه الآية منسوخة بآية السيف . وهذان الجوابان محتملان ،