تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 228

مساهمون:

ص٢٢٨
ومنها أن يصف اللَّه - متعمدا - بما ليس فيه ، أو يجعل له شركاء وأندادا ، وبنين وبنات ، ومنها أن يدعي النبوة وما هو بنبي ، واليه أشار سبحانه بقوله : « أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ » وهذه الجملة معطوفة على قوله تعالى : « افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً » وهي من باب عطف الخاص على العام ، ومثلها قوله سبحانه : « ومَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ » . أي ان هذا اللعين يدعي القدرة على تأليف كتاب يضاهي القرآن في عظمته ، وقيل : هو عبد اللَّه بن سعد بن أبي سرح ، وقال آخر : بل هو النضر بن الحارث . والخلاصة ان كل من نسب إلى اللَّه شيئا ، دون أن يستند إلى قوله اللَّه والرسول ، أو بديهة العقل فهو مفتر كذاب يستحق التوبيخ والعذاب . « ولَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ والْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ » . غمرات الموت سكراته وآلامه ، واختلف المفسرون في المراد ببسط أيدي الملائكة : هل المراد به مدها حقيقة إلى الإنسان حين الاحتضار ، أو هو لمجرد التمثيل والكناية عن أهوال الموت ؟ ونحن لا نرى مبررا لهذا النزاع ، لأن العقل لا ينفي وجود الملائكة ، ولا أن يكون لهم أيد يبسطونها ، وألسنة يتكلمون بها ، وقد ورد الوحي بذلك فيجب التصديق . وهذا الأصل يعتمد عليه جميع علماء المسلمين في اثبات العقيدة والشريعة . « أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ » . هذا كله من كلام الملائكة يخاطبون به المفترين ساعة فراقهم لهذه الحياة ، وهو تأنيب وتوبيخ على افترائهم وتنكرهم للحق . . وفي الحديث : من مات فقد قامت قيامته . ومن هنا قال بعض العارفين : ان للإنسان قيامتين : صغرى ، وهي الموت ، وكبرى ، وهي البعث . وتوبيخ الملائكة لمن افترى على اللَّه كذبا عند القيامة الصغرى إنذار له بما سيلاقيه من الأهوال في القيامة الكبرى . قال الإمام علي ( ع ) : الموت للمؤمن كنزع ثياب وسخة ، وفك قيود وأغلال إلى أفخر الثياب ، وآنس المنازل ، وهو للكافر كخلع ثياب فاخرة إلى أوسخها وأخشنها ، ومن المنازل الأنيسة إلى أوحشها وأعظم العذاب .
التفسير الكاشف — صفحة 228 | محمد جواد مغنية