تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الكاشف — صفحة 225

مساهمون:

ص٢٢٥
ومن كتاب الوحي يعلم شريعة اللَّه التي تنير له طريق الحياة ومدارج التقدم فيها ، وتجنبه المهالك والمشاكل التي تعرقل سيره إلى الأمام . لقد خلق الإنسان ليعمل في هذه الحياة ، ولا بد لكل عامل من منهج يسير عليه في عمله ، لأن الفوضى لا تؤدي إلى خير ، واللَّه سبحانه خلق الإنسان ، ويعلم سره وجهره ، وقوته وضعفه ، وما ينفعه ويضره ، فيتحتم ، والحال هذه ، أن يكون هو المرجع الأول للمنهج الذي يجب أن يسير عليه في عمله ، تماما كما هو الشأن في مخترع السيارة والطائرة وغيرهما من الأدوات والآلات ، حيث يحتم الرجوع إليه في استعمالها وطريق الاستفادة منها ، لأنه أعلم بما يصلحها ويفسدها ، وليس من شك ان تبليغ المنهج الإلهي لعباده واعلامهم به ينحصر بالأنبياء والرسل ، لأنهم لسان اللَّه وبيانه ، وهذا هو الوحي بالذات . ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتابنا : الإسلام والعقل ، قسم النبوة والعقل . « وهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ » . هذا ، إشارة إلى القرآن الكريم ، والمعنى كما أنزلنا التوراة على موسى كذلك أنزلنا هذا القرآن على محمد ( ص ) ، وهو كثير النفع والفائدة لمن علم أحكامه وأسراره ، وعمل بها ، وهو أيضا يصدق الكتب السماوية التي نزلت من قبل على أنبياء اللَّه . قال الإمام علي ( ع ) : تعلموا القرآن ، فإنه أحسن الحديث ، وتفقهوا فيه ، فإنه ربيع القلوب ، واستشفوا بنوره ، فإنه شفاء الصدور ، وأحسنوا تلاوته ، فإنه أحسن القصص . « ولِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها » . وأم القرى هي مكة ، وسميت بذلك ، لأن فيها أول بيت وضع للناس لعبادة اللَّه . . وزعم بعض المستشرقين ، ومن قبلهم اليهود ان محمدا ( ص ) أرسل للعرب فقط ، واحتجوا بهذه الآية ، وتجاهلوا الآية 107 الأنبياء : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ . والآية 28 سبأ : وما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً ونَذِيراً ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . ومصدر القرآن واحد ، وكلامه يفسر بعضه بعضا ، وهاتان الآيتان بيان لقوله تعالى : « ولِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى ومَنْ حَوْلَها » وان المراد به أن تبدأ دعوة الإسلام أول ما تبدأ في بلد صاحبها مكة ، حتى إذا صار لها أتباع وأنصار بشروا بها في أرجاء
التفسير الكاشف — صفحة 225 | محمد جواد مغنية