فهل لهم أن يأتوا بمثل القرآن أو بمثل سورة منه ؟ فعجزوا وذلك دليل إعجاز القرآن ، وإعجازه دليل على أنه من عند اللَّه وحده .
والوحي قديم ، فمثل هذا الوحي المنزل عليك أيها الرسول ، أوحى اللَّه إلى سائر الأنبياء والرسل ، من الصحف والكتب المنزلة ، والذي يوحي : هو اللَّه العزيز في ملكه ، الغالب بقهره ، الحكيم في صنعه ، والموحى به متفق في الجوهر والغاية والمضمون . وهو الدعوة لتوحيد اللَّه ، وإثبات النبوة ، والإيمان بالبعث واليوم الآخر ، وما فيه من حساب وعقاب ، وثواب وجزاء ، والتخلق بمكارم الأخلاق ، والبعد عن الرذائل . والله منزل الوحي : له جميع ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا ، وهو العلي الأعلى المتعالي فوق خلقه ، المتصف بالعظمة التي لا حدود لها ، وبالكبرياء الذي لا يوصف . فقوله : * ( لَه ما فِي السَّماواتِ وما فِي الأَرْضِ ) * أي الملك والخلق والاختراع . و ( العلي ) من علو القدر والسلطان . وكذلك ( العظيم ) في معناه .
وليس المقصود علو المسافة ، ولا عظم الشيء أو الجرم .
ومن دلائل عظمة اللَّه : أن السماوات تكاد تتصدع وتتشقق من سرعة جريهن ، خضوعا وخشية من سلطان اللَّه تعالى ، وتعظيما له وطاعة ، والتصدع من الجهة الفوقانية ، لقوله تعالى : * ( مِنْ فَوْقِهِنَّ ) * أي من أعلاهن .
ومن آيات العظمة الإلهية : أن الملائكة الكرام يداومون على تنزيه اللَّه تعالى عما لا يليق به ولا يجوز عليه ، قارنين التسبيح ( أي التنزيه ) بالتحميد ، وشكر النعم التي لا تحصى . ومن نعم اللَّه تعالى : أن الملائكة يطلبون المغفرة لعباد اللَّه المؤمنين ، ومن أفضال اللَّه : أنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة ، فهو يقبل استغفار الملائكة ، لأنه قرن الرحمة بالمغفرة . وهذا كما في آية أخرى تدل على فضل اللَّه وهي : الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ ومَنْ حَوْلَه يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويُؤْمِنُونَ بِه ويَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ
التفسير الوسيط — صفحة 2324
مساهمون: وهبة الزحيلي
ص٢٣٢٤