بمنتهى العنف والشراسة . ولكن التوابين ، للحقيقة ، لم يتخاذلوا ولم يتخلوا مطلقا عن
ايمانهم بالقضية التي يناضلون في سبيلها ، وانما ظلوا متماسكين في جبهة واحدة متراصة
ويقاتلون قتالا بطوليا مستميتا ( 1 ) ، حتى أن هجماتهم الانتحارية أوقفت بعض الوقت
الجنود الأمويين عن التقدم ، وجعلتهم يتحاشون الالتحام المباشر معهم ، فاعتمدوا
النبال كسلاح رئيسي ( 2 ) وتمكنوا بذلك من إنزال خسائر جسيمة في صفوف التوابين ، مما
أدى إلى سيطرتهم أخيرا على زمام الموقف .
وكان سليمان ذلك الرجل الأسطوري ، يتقدم رفاقه المناضلين ، بخطى ثابتة نحو قدره الذي
اختاره عن قناعة وايمان . وفي وسط المعمعة كان صوته يخترق الآذان مرددا : عباد
الله من أراد البكور إلى ربه والتوبة من ذنبه والوفاء بعهده فالي ( 3 ) . وكانت هذه
الكلمات آخر ما وردده القائد التوابي وهو يشق بسيفه صفوف الأمويين بكل جرأة ورباطة
جأش . ولعله عاش في تلك اللحظات لذة الانتقام وحلم الشهادة الذي أوشك أن
هامش
( 1 ) الجمعة في 24 جمادي الأول 65 هجري / 6 كانون الثاني 685 م . المسعودي : مروج
الذهب : 3 / 94 .
( 2 ) جون جلوب : إمبراطورية العرب 135 .
( 3 ) الطبري : 7 / 76 .